خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

في العزاء سلوى عمَن فقدنا

ID 144645814 © Rafael Ben Ari | Dreamstime.com

تأتي كلمات العزاء في مواقف صعبة للغاية حينما نفقد أخًا أو أبًا أو صديقًا عزيزًا علينا أو قريبًا، فتكون كالبلسم الذي يشفي الجراح، وهي نوع من التضامن الاجتماعي والنفسي مع أهل الفقيد ومَن لهم صلة به. وتجيء تلك الكلمات لتكون من باب السلوى والتصبير والدعم اللازم للمساعدة في الخروج من ذلك الموقف العصيبة. ومن الغريب أن العرب في الجاهلية، كانوا ينظرون إلى الصبر باعتباره أمرًا حسنًا ويتحاضون عليه ويقفون عند فضله، بينما يعيرون الجازع لعدم صبره، وذلك إيثارًا للحزم وتزيينًا للحلم، فلم يكونوا يرضون بالاستكانة ويهبون إلى العزاء الحسن وتطيب الخاطر، لأن ذلك في نظرهم من المروءة.

والتعزية تسلية لأهل الفقيد، أو كما يقول المبرد: “وتعزيك الرجل تسليتك إياه، والعزاء هو السلو وحسن الصبر على المصائب وخير من المصيبة العوض منها والرضى بقضاء الله والتسليم لأمره استسلامًا لما وعد من حسن الثواب”. ومن ذلك ما رواه أبو الحسن عن الفضل بن تميم، إذ قال: “قيل للضحاك بن قيس: من قال عند المصيبة: إنا لله وإنا إليه راجعون، كان ممن أخذ بالتقوى وأدى الفرائض؟ فقال: نعم، أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة”. ومن حُسن العزاء والتسلية ما ورد عن الحسن رضي الله عنه، إذ كان يقول: “الحمد لله الذي أجرنا على ما لا بد لنا منه، وأثابنا على ما لو كلفنا غيره لصرنا فيه إلى معصيته”.

ومن جميل الأقوال في التصبر ما قاله أحد القراء حين رأى جزع الخليفة سليمان بن عبد الملك على ابنه أيوب حين مات، فقال: “يا أمير المؤمنين إن امرأً حدث نفسه بالبقاء في الدنيا وظن أنه يعرى من المصائب فيها لغير جيد الرأي”. فكان ذلك أول شيء تسلى به سليمان بعد فقده لولده. وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه، يقول: “عليكم بالصبر، فإن به يأخذ الحازم وإليه يعود الجازع”.

وقد روى أبو عمرو بن المبارك أن زياد بن عثمان بن زياد دخل على سليمان بن عبد الملك، وقد توفي ابنه أيوب، فقال: “يا أمير المؤمنين، إن عبد الرحمن بن أبي بكرة كان يقول: من أحب البقاء فليوطن نفسه على المصائب”. ومن جميل ما رُوي في هذا الباب أن النبي عليه الصلاة والصلام عندما قُبض، فإن أسماء بنت عميس صرخت: “فنادى منادٍ من ناحية البيت، يسمعون حسه ولا يرون شخصه: السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته، أعلى رسول الله تبكون، أم على رسول الله تصرخون؟ فقالت أسماء: ما على رسول الله صلى الله عليه وسلم نبكي ولا على رسول الله نصرخ، ولكن على انقطاع الوحي عنا. قال: ثم نادى الثانية: كل نفس ذائقة الموت، وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور. إن في الله عزاءً من كل مصيبة، وعوضًا من كل مرزئة، ودركًا ” أي إدراكًا” من كل فائت، وخلفًا من كل هالك. فبالله فثقوا…”.

والعزاء عامة هو جبر للخواطر وتهدئة للنفس وترويض على الصبر، وقد مر النبي صلى الله عليه وسلم بمحنة موت ابنه إبراهيم فلم يزد على أن قال رغم حزنه الشديد عليه: “إنا القلب ليحزن، وإن العين لتدمع وإنا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون، ولا نقول إلا ما يُرضي ربنا”. ولذا فإن من الواجب أن نختار كلماتنا بعناية في تلك المواقف حتى تكون سلوى لغيرنا، فتلمس شُغاف قلوبهم فيهدءون، وتسلم نفوسهم من الأذى.

مراجع تم الاعتماد عليها:

كتاب: “التعازي والمراثي”، المبرد.