القصة وراء قباب الحرم المكي

ID 179244116 © Azwanlazam | Dreamstime.com

تميز الحرم المكي بهيئته وشكله المغاير في معماريته عن أي مسجد آخر، وأهم ما ميز الشكل الخارجي للمسجد قبابه المنتشرة حوله، وقد كانت القباب موضع اهتمام من الخلفاء وكذلك بقية المسجد على مر العصور.

ومما يروى في ذلك الأمر أنه في عهد السلطان سليمان الثاني حدث تصدع كبير فمال الرواق الشرقي نحو الكعبة، وبرزت رؤوس خشب السقوف عن محل تركيبها في جدار المسجد. وذلك الجدار هو جدار مدرسة السلطان المملوكي قايتباي وجدار مدرسة الأفضلية، وفارق خشب السقف عن مَوْضِع تركيبه في الجدار المذكور أكثر من ذراع 50 سم، ومال وجه الرواق إلى صحن المسجد الحرام ميلاً ظاهرًا بيّنًا، فرفعوا إلى السلطان سليمان الثاني سنة 979 هـ.

وعلى الفور صدر قرار السلطان بالمبادرة إلى بناء المسجد الحرام كله وإعادة عمارته بشكل يليق بمكانته، على أن يكون غايةً في الإتقان والإحكام، وأن يستبدل بالسقف الخشبي قُبب دائرية بأروقته، تحافظ على الشكل المعماري الجيد، وفي الوقت نفسه تكون تلك قوية وتصمد أمام الزمن والتقلبات المختلفة، لأن الأخشاب تقل جوتها ومتانتها مع مرور الوقت.

وبالفعل وصل المهندس المعماري العثماني محمد جاويش في أواخر سنة 979 هـ، وشرع في الهدم من جهة باب السلام، ولما أرادوا تسقيف المسجد بالقباب وجدوا ذلك صعبًا وغير ممكن؛ لأن أساطين الرخام التي ترجع إلى عمارة الخليفة المهدي العباسي 158 هـ– 169 هـ في عمارتيه الكبيرتين للمسجد الحرام في سنتي 160 هـ– 169 هـ، لا تستطيع تحمل القباب لضعفها، لأن القبة يجب أن تقوم على أربع دعائم قوية من جوانبها الأربعة، لتستطيع حمل القباب، فلمّا كمُل عمل جانبين من المسجد الحرام، وهما الشرقي والشمالي، توفي السلطان سليم خان ، فواصل ابنه السلطان مراد الثالث العمل في إكمال عمارة المسجد الحرام في سنة 984 هـ.

وهكذا أصبح لكل قبة أربع دعامات، ووضع بين كل ثلاث أسطوانات من المرمر حجرالشميسي الملون، ثم بنيت القباب على تلك الدعامات والأسطوانات في سائر المسجد الحرام كله، وقد اكتمل بناؤه كاملاً على الشكل المتعارف عليه، وهو ما يسمى بالرواق العثماني وقد أنفق عليه حوالي مائة ألف دينار عثماني من الذهب.

إن أهم ما يميز الرواق العثماني، أن القباب فيه حلت محل السقف الخشبي، وأنشئت لأجل ذلك العديد من الأعمدة الرخامية، واستخدمت الأعمدة التي تبقت من عمارة الخليفة العباسي المهدي وأعمدة من حجر الشميسي. فكان ذلك تجديدًا كبيرًا في معمارية المسجد الحرام، وإضافة القباب إليه، بما يجعله قادرًا على الصمود أمام التقلبات الجوية المختلفة، وفي الوقت نفسه يمنحنا شكلاً جماليًا يجذب الأنظار، فتكون القلوب معلقة بروحانيات الذكر والعبادة، أم الأعين فإنها تسعد برؤية القباب.

وقد بلغ عدد القباب 152 قبة محمولة على 881 عقدًا كبيرًا، وأكثر من 1000 عقد صغير محمولة على 278 عمودًا، وتم بناء الثلث السفلي للأعمدة من الحجر الصوان المنحوت، أمّا الثلثان الباقيان فتم بناؤهما من حجر الشميسي، وقطر العامود الواحد نحو 60 سم، وهناك 311 عمودًا من الرخام، ويَرْبِط كلّ عمودين قنديل من الخشب، وذلك لحماية الأعمدة من الميلان، ومعلق عليها خمسة قناديل، وفي سُرّة كل قبة قنديل، والأروقة محاطة بالشرفات، وكان آخِر بناء للقباب قد جرى في التوسعتين السعوديتين الأولى والثانية.

ولا يزال الحرم المكي محلاً للعناية والاهتمام عبر الأزمنة ومراحل التاريخ المختلفة، وفي كل مرحلة تزداد القباب جمالاً وارتفاعًا، وتغدو أكثر اتساعًا ومتانة، وتظهر تشكلات الإضاءة عليها ليلاً لتزيدها جمالاً إلى جمالها، وذلك مما يثير في نفس الزائر الفرح والسرور، ويجعله يُضيف إلى روحانيات المكان جمالاً آخر يلمسه في المباني والقباب وتشكلاتها الجميلة.

هل لديك استفسار؟

تواصل معنا!