قتله بيت من الشعر

jeremy-perkins-7FOSJVtUtac-unsplash
Jeremy Perkins-Unsplash

صَدَق مَن قال: “من الشعر ما قتل، هذا ما حدث مع شاعر العربية أبي الطيب المتنبي، لم يكن يعلم أو يدور بخلده يومًا ما أن بيتًا يقوله مثل غيره من الأبيات، سيكون سببًا في قتله على يد مَن قاله في حقه. كان المتنبي شاعرا متقلب الأهواء لا يكاد يلبث على حال حتى يفارقها إلى غيرها، وهو في الوقت ذاته شديد الفخر بنفسه، مولع بحب الذات، يشعر أنه الشاعر الأوحد في زمانه دونما منازع، نزل بلاط الأمراء والوزراء فذاع صيته، وكان لكلماته الرنانة أثر السحر في أذن مستمعيه، كان كثير المدح والهجاء معًا، يمدح مَن يقيم عندهم ويهجو خصومهم، فكان بذلك مثلاً في تجمع الأضداد معًا.

ذاع صيت المتنبي في فترة اضمحلال الدولة العباسية وانقسامها إلى دويلات صغيرة متناحرة، مما كان له بالغ الأثر على تحولاته الشعرية، وتقلبه من مكان إلى آخر، ومن أكثر الأماكن التي استقر بها حلب، حيث مدح سيف الدولة الحمداني، وأجاد في ذلك وانتشر شعره في البقاع، مما جعل أهل المدن الأخرى يخطبون وده، لكن سيف الدولة كان حريصًا عليه أشد الحرص، ولم يسلم المتنبي من وشية الحاقدين بين فترة وأخرى، ومرت الأيام حتى كان المتنبي كعادته في مجلس سيف الدولة، ودارت بينه وبين ابن خالويه مشادة حامية، وقد انتهت بتعدي ابن خالويه على المتنبي لفظيًا ثم قام وألقى الدواة عليه فشج جبهته، ولم يجد المتنبي له مدافعًا في المجلس، وانتظر أن يراجعه سيف الدولة وينتصف له، لكن الوشاية كانت قد تمكنت من سيف الدولة فلم يفعل، فكتب قصيدته الشهيرة التي يحذروه فيها من الوشاية والحساد، وبالغ فيها في وصف نفسه مفتخرًا، فقال:

أنا الذي نظرَ الأعمى إلى أدبي    وأسمعَت كلماتِي من بهِ صممُ

الخيلُ والليلُ والبيداءُ تعرفني     والسيفُ والرمحُ والقرطاسُ والقلمُ

ترك المتنبي حلب ورحل متجهًا إلى مصر وفي طريقه مر عبر عدة مدن وأقام فيها، وبعد مدة عاد إلى محل مولده بالكوفة ثانية.

وقع المتنبي في سقطة شعرية كبيرة، حيث هجا ضبة بن يزيد الأسديّ العينيّ، فقال فيه قصيدة مطلعها: “ما أَنصَفَ القَومُ ضَبَّه، وفي ذات يوم كان المتنبي عائدًا إلى بغداد حيث اتصل في آخر حياته بعضد الدولة البويهي، وكان معه ابنه وغلامه، وكان خال ضبة، وهو فاتك بن أبي جهل الأسديّ، يتوعد المتنبي منذ مدة، فعلم في تلك المرة من بعض أتباعه أن المتنبي راجع على طريق بغداد، فقام بتجميع أصحابه، وتعرَّضوا له، وقد أدرك المتنبي أنه مغلوب لا محالة فأمر ابنه وغلامه بالفرار، وقبل أن يلحقوا بهم، قال الغلام للمتنبي: “لا يتحدّث الناس عنك بالفرار وأنت القائل: فالخيل والليل والبيداء تعرفني والسيف والرمح والقرطاس والقلم، فقال له المتنبي وقد علم أن نهايته وشيكة: “قتلتني قتلك الله، ثم عادوا وقاتلوا حتى قُتل ثلاثتهم، وكان باستطاعتهم الهرب لولا ما قاله الغلام للمتنبي وتذكيره ببيته ذلك. وعلى ذلك كان مقتل المتنبي في منطقةالنعمانيةالواقعة قرب دير العاقول في الجهة الغربية من بغداد.

كان هذا البيت سببًا في وقوع صاحبه في القتل، لو كان قد هرب، فإن العار سيلاحقه، كما بيت الهجاء لضبة والتي صار في زمانه مضربًا للمثل، كان أشبه بالفتيل الذي أشعل النار في قلب فاتك الأسدي، ويقال إن ضبة ظل يتخفى عن عيون الناس في الأسواق والأزقة هربًا من كلماتهم وتندرهم عليه، فقد سرت الأبيات سريان النار في الهشيم، الأمر الذي جعل فاتك الأسدي يتوعد المتنبي بالقتل ثأرًا من هجائه المشين.

هل لديك استفسار؟

تواصل معنا!