خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

قد جاء العيد

abuzar-xheikh-D1gavA4x1xM-unsplash
Abuzar Xheikh-Unsplash

تمر بنا الأيام وينتظر المسلمون أيام فرحهم ومناسباتهم السعيدة الحافلة بالسرور والتراحم والمحبة، فتنشرح صدورهم بقدوم العيد، ويتزاورن فيما بينهم. يأتي العيد بعد انتهاء فريضة عظيمة، ففي عيد الفطر يكون المسلم قد صام شهر رمضان، وفي عيد الأضحى يكون المسلمون قد وقفوا بعرفات وبدءوا بنحر الهَدي. وهذا يعني أن العيد في الإسلام شعيرة دينية مرتبطة بالعبادة، ولذا قيل: “ليس العيد لمن لبس الجديد، ولكن العيد لمن خاف يوم الوعيد“. أي أن العيد الحقيقي لمن أطاع الله وأخلص النية، وليس لمن اشترى الثياب الجديدة والفاخرة، وإن كان ذلك ليس عيبًا، بل يجب أن نسعد ونكون في أبهى صورة، ولكن ينبغي أن نقدم قبل ذلك العمل الصالح. ولقد شرع الله لنا العيد لكي نفرح ونتآلف وتصفو نفوسنا، فلا تسير حياتنا كلها على وتيرة واحدة فتمل النفس، بل نراوح بين العمل والراحة.

ويجب علينا في العيد أن نفرح ونبتهج فتلك المناسبة قد خصنا الله بها لذلك الغرض، وألا نبتئس ونحزن ونجعل بعض مشاعرنا السلبية أو ما لدينا من أحزان، تسيطر علينا وتفقدنا فرحتنا، بل أن نتوكل على الله ونرضى بكل ما يقدره لنا، وأن نعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قدر رخّص للمسلمين السرور وإظهاره في أيام عيدهم، ومن ذلك ما يكون ببعض الغناء الضرب بالدف المباح.

وقد روي عن عائشة رضي الله عنه أنها قالت: “دخلَ عليَّ أبو بَكرٍ وعندي جاريتانِ من جواري الأنصارِ تُغنِّيانِ بما تقاوَلت بِهِ الأنصارُ في يومِ بُعاثٍ قالت وليستَا بمغنِّيتينِ فقالَ أبو بَكرٍ أبمزمورِ الشَّيطانِ في بيتِ النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ وذلِكَ في يومِ عيدِ الفطرِ فقالَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ يا أبا بَكرٍ إنَّ لِكلِّ قومٍ عيدًا وَهذا عيدُنا(أخرجه البخاري/ 952، ومسلم/ 892، وابن ماجه/ 1898 واللفظ له). وقد استدل العلماء من ذلك الحديث على وجوب السعادة في العيد، وأن الضرب بالدف والغناء بكلمات غير محرمة يعد أمرًا مشروعًا ولا غبار عليه، والأهم من ذلك أن السعادة في العيد وإظهارها هي شعيرة من شعائر الدين.

ومن الأمور الدالة على وجوب السعادة والابتهاج في هذا اليوم، كما رخص به النبي صلى الله عليه وسلم، من لعب بعض الأحباش بالحراب والدّرَق في المسجد في يوم العيد، وكان يقولوا لهم: “دونكم يا بني أرفدة“. أي الزموا ما تقومون به. ثم نظر صلى الله عليه وسلم إلى لعبهم ودعا أم المؤمنين عائشة للنظر، فأقامها من ورائه فكان خدها على خد النبي صلى الله عليه وسلم، ونظرا معًا إلى هذا المشهد، فلما ملت قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: حسبك؟ قالت: نعم. فقال: اذهبي. ودل ذلك على إظهار السرور في العيد، والفرح والسعادة ومحاولة القيام بما يسعد الإنسان ما دام مباحًا.

ومن أسباب إدخال السعادة ونشر السرور في العيد، القيام بصلة الرحم ووصل الأقارب وذوي الأرحام، لأن ذلك يجلب المحبة بين النفوس ويساعد على تماسك الأسر اجتماعيًا ونفسيًا، بما يعود بالخير على الجميع، وإذا كان الأقارب يقيمون في الجوار فيجب المبادرة بزيارتهم والتودد إليهم باستمرار، وإذا كانوا في مكان آخر ويصعب زيارتهم بصفة مستمرة، فيجب أن يتم التواصل عبر الهاتف، وانتهاز الفرص للزيارة والتقارب، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الحديث الصحيح: “لا يدخل الجنة قاطع رحم(رواه مسلم / 2556).

تلعب الزيارات وصلة الرحم بين الأقارب عامةً، وفي الأعياد خاصةً، دورًا مؤثرًا في جَمْع الشمل، وإفشاء روح التسامح والحب بين الجميع، فتكون السعادة مضاعفة؛ سعادة العيد وفرحته، وسعادة التلاقي والتشارك والإحساس بالتواصل بين أبناء الرحم الواحد. وعامة فإن الأعياد من المناسبات التي لا ينبغي تفويتها أبدًا دون الاستفادة منها بالشكل المطلوب في نشر مشاعر المحبة والتواصل والتسامح بين الجميع، وجعلهم في حالة نفسية إيجابية للغاية، وتلك هي الحكمة من الأعياد.

قد جاء العيد فافرحوا وانشروا المحبة، وصلوا أرحامكم.