قصةٌ ومَثَلٌ: “عاد بخُفي حُنين”

© Ravindran Smith | Dreamstime.com

نسمع كثيرًا المثال القائل: “عاد بخفي حُنينأو رجع بخفي حنين، فنفهم منه انعدام الأمل في شيء ما واليأس عن الوصول إليه، أو أن أحدًا أراد السعي في أمر ما ولكن خاب مسعاه. والحقيقة التي لا بد أن نعلمها أن العرب كانوا أذكياء في أمثالهم التي ضربوها، فلم يتركوا موقفًا أو حدثًا إلا قاموا باستغلاله، ولم يترك مَن ذكرت أمامهم الأمثال دون الإفادة منها، واستخدامها في أشعارهم وخطبهم، ولا شك أن الأمثل تعد معبرة عن المجتمع وما يحويه من تناقضات، كما أنها تعد صورة عن التطور اللغوي والعقلي والديني للأمة. كما تنبع فائدة المثل أن يختزن في داخله معاني باطنة وأسلوب مختزل ودالاً في الوقت نفسه، وهو أوقع من ناحية السماع. ولذا نجد العرب قد ركزوا عليه واستخدموه بكثرة في حياتهم.

وهذا المثل كغيره من الأمثال له قصة طريفة، إذ يروى أن هناك رجلاً كان اسمه حنينًا وكان يعمل إسكافيًا، يقوم بصناعة الأحذية وبيعها للناس، وذات يوم مرّ عليه أعرابي، وكان الأعرابي يود أن يشتري خفًّين، وقد أعجب بخفّين من صُنع حنين، فأراد أن يشتريهما، ودخلا معًا في مساومة على الثمن، وفي نهاية الأمر اختلفا في سعرهما، ولم يصلا من ذلك إلى قرار، فانسحب الأعرابي وترك حنينًا وشأنه. وهنا غضب حنين بشدة من الأعرابي، وقرر بينه وبين نفسه الانتقام، فاصطنع حيلة لكي يأخذ بثأره من الأعرابي، وخرج إلى الطريق، وقام بإلقاء الخف الأول في أحد الطرق، وبعد مسافة من إلقائه الخف الأول قام بإلقاء الثاني، ويقال إنه غير الطريق، أي ألقى كل خفّ منهما في طريق مختلف.

وعندما قام الأعرابي بالسير في طريقه المعتاد وجد خفًّا، فتوقف عنده ونظر فيه، فوجد أنه يشبه خف حنين، وقال في نفسه لو وجدت الخف الآخر لأخذتهما، لأنهما يشبهان الخفين اللذين أعجبت بهما عند حنين. وأخذ طريقه من جديد، وبعد مسافة من سيره، وعندما بدأ في تغيير طريقه وجد فجأة الخفّ الآخر، ففكر في أنه إن ذهب وأحضر الآخر يكون قد حصل على خفين دون أن يدفع شيئًا، وهنا قرر أن يترك دابته وما يحمل من متاع، وأن يعود أدراجه إلى الموضع الأول فيحصل على الخف الذي خلفه وراءه.

وكانت تلك فرصة حنين الذهبية للانتقام، فقد كان يراقبه من بعيد، وما إن قام الأعرابي بالعودة إلى الوراء، حتى قام باصطحاب دابته وسرقة متاعه وحوائجه وفر بها. وحين جمع الأعرابي شمل الخفين معًا عاد بهما إلى الموضع الثاني ليأخذ دابته ومتاعه، ولكنه لم يجد شيئًا، وأصبحت رحلته عبارة عن خفين حصل عليهما من الطريق، وفي المقال خسر كل شيء. وعندما رجع الأعرابي من رحلته قال لكل من قابله من أهله وعشيرته: “رجعت بخفي حُنينأوجئتكم بخفي حنين، وهكذا أصبح هذا القول وتلك القصة مضربًا للمثل، وتقال لكل من خاب مسعاه، ولم يوفق في سعيه، ولم يرجع بالنتيجة المرجوة.

وقد ذكر ابن عبد ربه في العقد الفريد رواية أخرى لهذا المثل، إذا روى عن ابن السكيت أنه قال: “إن حنينًا كان رجلاً شديدًا، إذ حضر إلى أسد بن هاشم بن عبد مناف، ثمّ أتى عبد المطلب وقد كان يرتدي خُفّين أحمرين، وقال: يا عم أنا ابن أسد بن هاشم، فقال عبد المطلب: لا، وثياب ابن هاشم، لا أعرف شمائل هاشم فيك، فارجع، ثمّ رجع، لذلك قالوا رجع حنين بخفيه(العقد الفريد، ص 31). أي أنه لم تظهر عليه سمات العرب في لباسهم وهندامهم، فقد كان شديدًا، لكنه كان يرتدي حفين أحمرين لا يليقان به أبدًا. ولعل الرواية الأولى أكثر دقة وانسجامًا مع المثل من تلك الرواية.

هل لديك استفسار؟

تواصل معنا!