قصة أصحاب الأخدود: دروس وعبر

الإسلام للمبتدئين Contributor
قصة أصحاب الأخدود

قصة أصحاب الأخدود من القصص التي توارد على ذكرها القرآن الكريم وسنة النبي محمد –صلى الله عليه وسلم- وقد وقعت هذه الحادثة قبل بعثة النبي في الفترة التي تلت رفع عيسى عليه السلام. ولعل هذه القصة من قصص القرآن والسنة التي تضمنت العديد من المعاني العظيمة والدروس والعبر التي تنفع المؤمنين وترشدهم إلى ما فيه خيري الدنيا والآخرة.

قصة أصحاب الأخدود

قص القرآن الكريم قصة أصحاب الأخدود في سورة البروج حيث قال تعالى: { وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ  وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ  قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ  وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ  وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ }(البروج:1-9)

وقد جاء ذكر قصة أصحاب الأخدود في السنة النبوية حيث أخرجها مسلم وأحمد وغيرهما وفيها تفصيل ما حدث قبل حادثة حفر الأخاديد وإلقاء المؤمنين فيها. وملخص هذه القصة أن ملكًا ظالمًا قد اتخذ ساحرًا. فلما كبر الساحر أشار على الملك أن يرسل إليه غلامًا يعلمه السحر ففعل الملك. فكان هذا الغلام يمر على راهب يعبد الله تعالى ويرفض ما كان عليه القوم من الشرك.

وقد شاء الله تعالى أن يؤمن الغلام وجرت على يده كرامات. ولما علم الملك بذلك حاول أن يقتله لكنه عجز عن ذلك حتى أشار عليه الغلام أن يقتله بأن يأخذ سهمًا ثم يضعه في كبد قوس ثم يرميه به ويقول بسم الله رب الغلام. ففعل الملك ما أشار به الغلام.

فمات الغلام. فلما رآه الناس قالوا آمنا برب الغلام. وحدث ما كان يخشاه الملك إذ آمن الناس بالله تعالى. فما كان من هذا الملك إلا أن حفر الأخاديد وألقى المؤمنين بها فأحرقهم ولم يرحم حتى الأطفال الرضع.

أين ومتى وقعت قصة أصحاب الأخدود ؟

تذكر الروايات أن حادثة أصحاب الأخدود قد وقعت في بلاد اليمن في الفترة التي كانت بين عيسى عليه السلام ونبينا محمد –صلى الله عليه وسلم- وكانت تحديدًا في مدينة نجران. التي كان يدين أهلها باليهودية. وكان على رأسهم ملك يقال له يوسف بن شراحيل بن تبع الحميري. ويعرف هذا الملك بذي نواس. وهو ملك ظالم شديد التعصب لليهودية لا يقبل من أحد أن يخالفها أو أن يخرج عليها.

في تلك الفترة لم يكن الدين الذي جاء به عيسى عليه السلام قد حُرف وغُيّر. ويرجح أن حادثة أصحاب الأخدود قد وقعت بعد فترة وجيزة من رفعه عليه السلام. فمن المقرر أن عيسى لم يقتل ولم يصلب بل رفعه الله إليه كما قال تعالى: { وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ  وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ  وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ  وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا}(النساء:157-158).

وسبب ذهابنا إلى هذا القول أن القرآن الكريم قد وصف أصحاب الأخدود بالمؤمنين وكذلك السنة النبوية. وهناك من ذهب إلى أن حادثة أصحاب الأخدود قد وقعت قبل عيسى عليه السلام. وسواء أكانت الحادثة قد وقعت قبل عيسى أم بعده. فإنها قد ثبتت في القرآن الكريم وفي السنة النبوية وتشتمل على كثير من العبر والعظات.

لما ظهرت كرامات غلام أصحاب الأخدود وبدأ الناس يتبعونه ويصدقونه وهو يخبرهم أنه إنما يفعل ذلك بأمر الله تعالى خالق الكون ومدبره. وقد بدأ الناس يغيرون رأيهم عن الملك الظالم الذي كان يجبرهم على الشرك بالله تعالى.

ولما رأى الملك أن الناس قد بدأوا بالانفضاض عنه أشار عليه البعض أن يقتل الغلام. لكنه لم يستطع أن يصل إليه بأذى حتى أشار عليه الغلام بالوسيلة. وهي وسيلة ذكية من الغلام كانت سببًا في إسلام الناس وإيمانهم بالله تعالى الواحد الأحد.

وقد اشتملت قصة أصحاب الأخدود على عدة دروس وعبر منها:

  • أن اللجوء لله تعالى وصدق النية والعزم كفيل بتحقيق المستحيلات

وقد ظهر من قصة الغلام أنه لجأ لربه سبحانه وتعالى وصدق النية فأجرى الله تعالى على يديه الكثير من الكرامات كإبراء الأكمه والأبرص. وقبل ذلك أنه قد قتل دابة عظيمة كانت تقطع الطريق على الناس. الذين بدأوا يتحدثون عن كراماته وقدراته. لكنه لم ينسب لنفسه شيئًا من ذلك وكان يقول: “إني لا أشفي أحدًا. إنما يشفي اللهُ” وهذا القول من الغلام يدل على ثقته بربه سبحانه وتعالى.

وقد كان الناس يذهبون إليه يطلبون منه الشفاء فيقول لهم ما سبق. ويخبرهم أنهم إن آمنوا بالله دعاه فشفاهم سبحانه وتعالى. فيفعلون فيدعوا الغلام ربه سبحانه وتعالى بصدق وإقبال عليه فيستجيب الله سبحانه وتعالى الدعاء.

  • ذكاء الغلام وفطنته

من الدروس التي تؤخذ من قصة أصحاب الأخدود أن الذكاء والفطنة من أهم الأمور التي يجب أن تتوفر في الدعاة إلى الله تعالى. ذلك أن الغلام بذكائه تسبب في إيمان جميع من شاهدوا حادثة مقتله. ومع أنه جاد بنفسه في سبيل الله تعالى إلا أنه كان سببًا في إسلام أهل البلد جميعًا.

ومن الدروس المستفادة من قصة أصحاب الأخدود أيضًا فيما يتعلق بالغلام. أن الأفعال العظيمة لا تُقاس بالأعمار. فمع أن هذا الغلام كان صغيرًا في السن إلا أنه فعل ما يعجز عنه الكثير من الناس ممن أرهقتهم التجربة وكتب لهم أن يعمروا في الأرض.

  • أن الابتلاء من أسباب رفع الدرجات وأن طريق الدعوة ملئ بالابتلاءات

من الدروس المستفادة من قصة أصحاب الأخدود أن الابتلاء من أسباب رفع درجات الناس. فهذا الغلام قد تعرض لابتلاء شديد وتعرض في نهاية المطاف للقتل. لكنه قد سطر اسمه بأحرف من نور في صفحات التاريخ. ومع مرور أكثر من ألفي عام على وقوع هذه الحادثة إلا أننا ما زلنا نذكر مآثره ومناقبه. ويظهر الابتلاء أيضًا في تعرض المؤمنين للإحراق في الأخاديد التي حفرها لهم الملك الظالم.

ومع أنهم لم يفعلوا شيئًَا إلا أنهم آمنوا بالله تعالى إلا أن هذا الملك أصر على أن يحرقهم وأن يعذبهم في تلك الأخاديد. وفي هذا درس كبير مفاده أن المؤمن قد يتعرض لابتلاءات عظيمة في حياته. لكن عليه أن يحسن الظن بربه وأن يعلم أن ما عنده خير وأبقى. وعليه أن يعلم كذلك أنه وإن عذب في الحياة الدنيا. فإن جنات النعيم في الآخرة ستذهب عنه كل عناء وستنسيه كل تعب.

  • الثبات على المنهج والتضحية بالغالي والنفيس

من الدروس العظيمة التي تؤخذ من قصة أصحاب الأخدود أهمية الثبات على المنهج والمبدأ وعدم الخنوع والخضوع للظلم. وقد تحقق ذلك في قصة المرأة التي جاءوا بها ليلقوها في الأخدود وكان معها صبي صغير. فكلموها أن ترجع عن دينها حتى تمنع صغيرها. فكأن المرأة قد تقاعست أن تلقي فلذة كبدها في تلك النار المحرقة. فقال لها الغلام: ” يا أمه! اصبري فإنكِ على الحقِّ” فكانت هذه بشارة عظيمة فاقتحمت النار وكتب الله لها الأجر هي وابنها.

  • يستفاد من قصة أصحاب الأخدود أن الإيمان بالله يغير الإنسان تغييرًا كبيرًا

ولعل هذا الدرس من أهم الدروس المستفادة من قصة أصحاب الأخدود. ويعني أن الإيمان بالله تعالى إذا خالط شغاف القلوب جعل العبد لا يلوي على شيء من هذه الدنيا الفانية. لأنه يعلم أن العاقبة واقعة في الآخرة. ولعل هذا ما جعل أصحاب الأخدود يقتحمون النار دون خوف أو تردد ورفضوا بحال من الأحوال الرجوع عن دينهم.

إن قصة أصحاب الأخدود شاهدة على عظم جزاء المؤمنين الصابرين وسوء عاقبة المكذبين الظالمين. وهي قصة مليئة بالعبر والعظات التي تنير للمسلمين طريقهم وترشدهم إلى ما فيه صلاحهم في الحال والمال. وكل قصص القرآن كذلك.

 

المراجع

تفسير القرآن العظيم: ابن كثير.

الجامع لأحكام القرآن: الطبري

تاريخ الأمم والملوك: الطبري.

عبدالله توبة أحمد

باحث في الدراسات الإسلامية

Enjoy Ali Huda! Exclusive for your kids.