خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

قصة أكرم رجل يفي بعهده لضيفه

ID 55202010 © Carabiner | Dreamstime.com

هناك قصص عديدة تتناول الكرم وحسن الجوار، غير أن تلك القصة التي بين أيدينا الآن تعد من أكثرها عجبًا، بل يصدق فيها أنها قصة أكرم رجل يُنزل ضيفًا في جواره، لأنه لم يغفر ذمته أو يغدر بضيفه حينما علم حقيقته، وتبدأ فصول تلك القصة التي يرويها الحسن بن الحصين، والذي يقول: “لما أفضت الخلافة إلى بني العباس كان من جملة من اختفى إبراهيم بن سليمان بن عبد الملك فلم يزل مختفيًا إلى أن أضناه وأضجره الاختفاء، فأخذ له أمانًا من السفاح”. والمعنى أن سليمان لم تعب من هربه أرسل يطلب الأمان من الخليفة العباسي، والذي أجابه لما طلب.

فلما وصل سليمان إلى مجلس الخليفة قال له: “لقد مكثت زمانًا طويلاً مختفيًا فحدثني بأعجب ما رأيت في اختفائك، فإنها كانت أيام تكدير. فقال سليمان: يا أمير المؤمنين، وهل سُمع بأعجب من حديثي؟ لقد كنت مختفيًا في منزل أنظر منه إلى البطحاء “وهي الأرض الواسعة المنبسطة”، فبينما أنا على مثل ذلك، وإذا بأعلام سود قد خرجت من الكوفة تريد الحيرة فوقع في ذهني أنها خرجت تطلبني، فخرجت متنكرًا حتى أتيت الكوفة من غير الطريق، وأنا والله متحير، ولا أعرف بها أحدًا، وإذا أنا بباب كبير في رحبة منيعة، يعني ما حوله متسع وفسيح. فدخلت في تلك الرحبة فوقفت قريبًا من الدار، وإذا برجل حسن الهيئة، يركب فرسًا ومعه جماعة من أصحابه وغلمانه، فدخل الدار فرآني واقفًا مرتابًا فقال لي: ألكَ حاجةٌ؟ قلت: غريب خائف من القتل.

فقال له الرجل بسماحة: ادخل. فدخلت إلى حجرة في داره، فقال: هذه لك، وهيَّأ لي ما أحتاج إليه من فرش وآنية ولباس وطعام وشراب، وأقمت عنده، ووالله ما سألني قط من أنا، ولا ممن أخاف؟ وهو في أثناء ذلك يركب في كل يوم ويعود تعبًا متأسفًا كأنه يطلب شيئًا فاته ولم يجده، فقلت له يومًا: أراك تركب في كل يوم وتعود متعبًا متأسفًا كأنك تطلب شيئًا ولا تحصل عليه؟ فقال لي: إن إبراهيم بن سليمان بن عبد الملك قتل أبي وقد بلغني أنه مختفٍ من السفاح، وأنا أطلبه لعلّي أجده وآخذ بثأري منه.

وذلك موقف صعب للغاية، فقد أصبح سليمان في وضع لا يحسد عليه، فقد غدا في دار طالب الثأر منه، وسعى للقصاص برجليه دون أن يدري من أمره شيئًا. ثم يستكمل سليمان فيقول: “فتعجبت والله يا أمير المؤمنين من هربي وشؤم بختي الذي ساقني إلى منزل رجل يريد قتلي ويطلب ثأره مني. فكرهت الحياة واستعجلت الموت لما نالني من الشدة، فسألت الرجل عن اسم أبيه وعن سبب قتله، فعرفني الخبر فوجدته صحيحًا، فقلت: يا هذا قد وجب عليّ حقك، وأن من حقك أن أدلك على قاتل أبيك. فقال: أتعلم أين هو؟ قلت: نعم. فقال: أين هو؟ فقلت: والله هو أنا فخذ بثأرك مني. فقال لي: أظن أن الاختفاء أضناك فكرهت الحياة. قلت: نعم والله أنا قتلته يوم كذا وكذا”.

يواصل سليمان حديثه فيقول: “فلما عَلِم صدقي تغير لونه واحمرت عيناه وأطرق رأسه ساعة ثم رفع رأسه إلي وقال لي: أما أبي فسيلقاك غدًا يوم القيامة فيحاكمك عند من لا تخفى عليه خافية، وأما أنا فلست مخفرًا ذمتي ولا مضيعًا نزيلي، أخرج عني فإني لا آمن من نفسي عليك بعد هذا اليوم. ثم وثب يا أمير المؤمنين إلى صندوق فأخرج منه صُرة فيها خمسمائة دينار وقال: خذ هذه واستعن بها على اختفائك. فكرهت أخذها وخرجت من عنده وهو أكرم رجل رأيت. فبقي السفاح يهتز طربًا ويتعجب مما سمع.

هل يوجد كرم أكبر من أن يترك المرء قاتل أبيه يرحل من داره، ثم يمنحه من ماله ليعينه على الاختفاء منه بعد ذلك، ثم إنه لم يضيع ذمته أو عهده بتأمينه وجعل ذلك هدفه الأول، وترك أمر أبيه لله يوم القيامة، إنه الوفاء بالعهود في أبلغ صوره.