خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

قصة التاجر الدمشقي المحظوظ الذي لم يخسر قط

ID 95574979 © Amir Lavi | Dreamstime.com

للتجار حكايات وطرائف وعجائب مختلفة، تتغير بتقلب الأحداث، ومرور الأيام، وهي قصص مفيدة تحكى لأخذ العظة والاعتبار وإدخال السرور والتسلية المفيدة والهادفة في آن. ومن تلك القصص ما نطالعه من قصة التاجر الدمشقي العباسي المحظوظ الذي لا يخسر أبدًا.

إذ يحكى أنه كان هناك تاجر عباسي ثري للغاية، واتصف بأنه لا يخسر في صفقاته التي يجريها، يدخل في التجارة مرة بعد أخرى دون أن تناله خسارة واحدة، يبيع ويشتري، ويؤجر ويكتري، ويحمل بضائعه خارج بغداد ثم يعود إليها، وفي كل ذلك ينجح في هدفه، ولا يصيب إلا ربحًا وفيرًا، يكاد يجعله ذلك من أكثر تجار عصره مالاً، وقد بدا عليه الثراء بعد مرور مدة من الوقت اليسير على تجارته.

وذات يوم وهو جالس مع أصدقائه ذكر لهم ذلك، فأخذوا يتعجبون كثيرًا من ذلك، فلا يوجد تاجر مهما بلغت سمعت وعظُم شأنه لا يخسر أبدًا، وهنا سخروا منه لاعتقادهم أنه يكذب عليهم. وقالوا له إن التجارة ربح وخسارة ولا بد أنك تعرضت للخسارة، ولكنك تُخفي ذلك عنا، هنا قال لهم: لا، لم يحدث، وأنا أتحداكم في ذلك. وهنا وقع الأصدقاء في حيرة وأخذوا يفكرون في حيلة تجعلهم يثبتون كلامهم بها، فهم بعد لا يصدقون كلام صديقهم التاجر. واهتدوا في النهاية إلى فكرة عبقرية، وقال له: نريدك أن تبيع التمر في العراق وتربح، لكي تثبت لنا صدق كلامك. وهنا تنبه التاجر إلى حيلتهم، فهو يعلم أن مسألة بيع التمور في العراق يعد مجازفة كبيرة، لكثرته وقلة سعره وأعباء حمله وحفظه، وهو ملق في الأماكن وسعره مثل سعر التراب في الصحراء.

فوافق الرجل على الأمر، وأخذ طريقه إلى بغداد عاصمة الخلافة، وتصادف ذلك مع خروج الخليفة العباسي حينها الواثق بالله إلى الموصل لقضاء نزهة برية هناك، فجوها ربيع صيفًا وشتاء. وفي أثناء نزهته حدث أن فقدت ابنة الخليفة قلادة لها، وكانت غالية الثمن وذات أثر في نفسها، فبكت عليها واشتكت لأبيها والذي أصدر أوامره بالبحث عنها، وأغرى الناس بالمال وعرض مكافأة كبيرة تكاد تفوق ثمن القلادة، وزاد في إغرائه وقال: من يجده يكون زوجًا لابنتي. وكان هذا أمرًا مثيرًا للفقراء والأثرياء في آن معًا.

أخذ الجميع يبحثون عن القلادة بشغف، فمن يجدها سيكون أسعد الناس، ووصل التاجر الدمشقي إلى حدود بغداد، فوجد الناس تبحث في أطرافها على قلادة، فسألهم عن الأمر فأخبروه، فجلس معهم يبحث، وبعد مرور بعض الوقت نفد الطعام من الناس، ولم يجدوا القلادة بعد، فقال كبيرهم: وا أسفاه لم نحسب أننا سنتأخر في إيجاد القلادة كل هذا الوقت، ونخشى إن ذهبنا لإحضار الطعام أن يسبقنا أحد في إيجادها. عندها قال التاجر الدمشقي: أنا أبيعكم ما معي من تمر.

وبالفعل تناوبوا على الشراء منه كلما ألم بهم جوع، ودفعوا فيه أغلى سعر ممكن، وهنا تعجب من معه من أصدقائه، فقد ربح التحدي وباع ما معه من تمر على أطراف بغداد بأعلى سعر. حتى إن الأمر قد وصل إلى أسماع الخليفة الواثق، فاهتم بالأمر واستغرب من الرجل وفعلته، وأرسل طالبًا المثول بين يديه، وبالفعل حضر التاجر، فسأله الخليفة عن قصته، فأخبره بأنه كان ولدًا فقيرًا يتيمًا وكانت أمه معاقة، ولكنه لم يتركها وظل يعتني بها، ويكسب المال لينفق عليها من كنت في الخامسة من عمري، ولما بلغت العشرين، أصبحت أمي مشرفة على الموت، وقد أن تصعد روحها رفعت يديها وادعت بأن يوفقني الله، وألا يرني خسارة في ديني أو دنياي أبدًا، وأن يزوجني من أكرم بيت أهل عصرنا، وأن يحول التراب في يدي ذهبًا. وفي خفة يد غير معهودة، أمسك بحفنة من التراب وهو يتكلم، فتبسم الخليفة من حديثه، وإذا به يستشعر بشيء في يده، فنظر إليه، فإذا هي قلادة، فعرفتها ابنة الواثق، إنها قلادتها المفقودة. ويبدو بالطبع أنه وجدها واختزنها معه لحين بيع تموره، وأنه أحضرها في كيس من التراب لتتماشي مع حديثه أمام الخليفة.

وهكذا أصبح التاجر الدمشقي أول من يصدر التمر إلى العراق ويحصل على أعلى سعر ممكن. واستطاع إيجاد القلادة، وبذلك أصبح صهر الخليفة. وتدلنا تلك القصة على أهمية صلة الرحم، وإلى بر الوالدين وأثره في الدنيا قبل الآخرة.