خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

قصة الرجل الذي يجُرُ قصبةً في النار

ID 49703520 © Ganesh4photolife | Dreamstime.com

مشهد لا يمكن تخيله رآه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، إذ رأى عمرو بن لحي يجر قصبة في النار، والقصبة هي الشيء الذي يستند عليه الإنسان، وتكون من أعواد الشجر وخاصة كل أنبوبة في ساق الشجرة ينتهي بعقدتين، ويستخدمها الإنسان في الدفاع عن نفسه أو في الاستناد عليها، وغير ذلك من أمور. فما قصة ذلك الأثر الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم؟ وهذا ما نتعرف إليه في الأسطر القليلة القادمة.

قال ابن إسحاق عن عمرو بن حزم عن أبيه: “حدثت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رأيت عمرو بن لحي يجر قصبة في النار، فسألته عمن بيني وبينه من الناس فقال هلكوا”. وهلكوا: أي ماتوا جميعًا. وعن محمد بن إبراهيم الحارث التيمي أن أبا صالح السمان حدثه أنه سمع أبا هريرة يقول: “سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأكثم بن الجون الخزاعي: يا أكثم رأيت عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف يجر قصبه في النار فما رأيت رجلاً أشبه برجل منكَ بهِ، ولا بكَ منه، فقال أكثم: عسى أن يضرني شبهه يا رسول الله. قال: لا إنك مؤمن وهو كافر، إنه كان أول من غيّر دين إسماعيل فنصب الأوثان وبحر البحيرة وسيب السائبة ووصل الوصيلة وحمى الحامي”.

ومن قول نبينا محمد صلى الله عليه وسلم السابق، ندرك أن هذا العذاب ناتج عما اقترفه عمرو بن لحي، حيث كان أول شخص يغير في دين سيدنا إسماعيل عليه السلام، إذ استبدل بالوحدانية الشرك، فنصب الأوثان والأصنام لتُعبد من دون الله تعالى، ثم أقدم على المعاصي والذنوب فأتاها فأصبح قدوة لغيره ممن اتبعوه أو جاءوا بعده.

وذكر ابن هشام عن بعض أهل العلم: “أن عمرو بن لحي خرج من مكة إلى الشام في بعض أموره، فلما قدم مآب من أرض البلقاء وبها يومئذ العماليق- وهم ولد عملاق ويقال عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح- رآهم يعبدون الأصنام فقال لهم: ما هذه الأصنام التي أراكم تعبدون؟ قالوا له: هذه أصنام نعبدها فنستمطرها “أي: نطلب منها الماء” فتمطرنا، ونستنصرها فتنصرنا، فقال لهم: أفلا تعطونني منها صنمًا فأسير به إلى أرض العرب فيعبدوه. فأعطوه صنمًا يقال له هُبل فقدم به مكة فنصبه وأمر الناس بعبادته وتعظيمه”.

فكانت تلك هي البداية الحقيقية لخروج العرب عن ملة أبيهم إسماعيل، وقد بدأ الأمر بتلك الخطوة ولكن تبعها خطوات أخرى، فقد كانوا يأخذون بعض الأحجار من الكعبة للطواف حولها أثناء سفرهم، ثم امتد الأمر لاتخاذ تلك الأحجار آلهة من دون الله، قال ابن إسحاق: “ويزعمون أن أول ما كانت عبادة الحجارة في بني إسماعيل، أنه كان لا يظعن من مكة ظاعن منهم “أي: يرحل راحل عنها” حين ضاقت عليهم والتمسوا الفسح في البلاد، إلا حمل معه حجرًا من حجارة الحرم تعظيمًا للحرم؛ فحيثما نزلوا وضعوه فطافوا به كطوافهم بالكعبة، حتى سلخ ذلك بهم إلى أن كانوا يعبدون ما استحسنوا من الحجارة وأعجبهم، حتى خلف الخلوف “أي: تعاقبت الأجيال” ونسوا ما كانوا عليه واستبدلوا بدين إبراهيم وإسماعيل غيره فعبدوا الأوثان وصاروا إلى ما كانت عليه الأمم قبلهم من الضلالات، وفيهم على ذلك بقايا من عهد إبراهيم يتمسكون بها من تعظيم البيت والطواف به والحج والعمرة والوقوف على عرفة والمزدلفة وهدي البدن والإهلال بالحج والعمرة مع إدخالهم فيه ما ليس منه، فكانت كنانة وقريش إذا أهلوا قالوا: “لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك إلا شريك هو تلك تملكه وما ملك فيوحدونه”. بالتلبية ثم يدخلون معه أصنامهم ويجعلون ملكها بيده، يقول الله تبارك وتعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم: “وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون” أي ما يوحدونني لمعرفة حقي إلا جعلوا معي شريكا في خلقي”.

كانت تلك قطوف حول الرجل الذي يجر قصبة في النار، بسبب نشره لعبادة الأوثان في جزيرة العرب، ودفعه الناس لتغيير ملة أبيهم إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام.

 

المرجع:

السيرة النبوية، ابن هشام.