خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

قصة الرجل صاحب الحُجة البليغة

ID 41017265 © Anderm | Dreamstime.com

وقف شيخ ذات يوم أمام الخليفة أبي جعفر المنصور، وكان متهمًا ويكاد يدفعه به إلى القتل في أية لحظة غادرة، ولكنه كان صاحب رأي وحجة وفصاحة، فاستطاع بتوفيق الله ووجاهة حجته الخروج من مأزقه، خرج من المجلس منتصرًا وعاد لأهله وبلده بسلام. فكيف حدث ذلك؟ وما سبب استدعاء الخليفة له؟ وكيف تخلص الرجل من الحيلة المنصوبة للقضاء عليه؟ هذا ما نتعرف إليه في السطور التالية.

يروى أنه كان هناك رجل ذو معرفة ودراية، قال فيه بعض الناس إنه أخذ أموالاً لبني أمية، ورفع الأمر إلى الخليفة أبي جعفر المنصور، والذي بدوره أمر حاجبه الربيع بأن يحضره لينظر في أمره، فلما حضر بين يديه. قال المنصور: “رُفع إلينا أن عندكَ ودائع وأموالاً وسلاحًا لبني أمية فأخرجها لنا لنجمع ذلك إلى بيت المال. فقال الرجل: يا أمير المؤمنين، أنت وارث لبني أمية؟”. وهنا شعر الخليفة بالحرج، لأن الخلافة العباسية قضت على الدولة الأموية، وليست وريثة لها بل حلت مكانها. لذا قال الخليفة: لا.

قال الرجل مستكملاً حديثه: “فلم تسأل إذن عما في يدي من أموال بني أمية ولست بوارث لهم ولا وصي. فأطرق المنصور ساعة، ثم قال: إن بني أمية ظلموا الناس وغصبوا أموال المسلمين. فقال الرجل: يحتاج أمير المؤمنين إلى بينة يقبلها الحاكم تشهد أن المال الذي لبني أمية هو الذي في يدي وأنه هو الذي غصبوه من الناس. وأن أمير المؤمنين يعلم أن بني أمية كانت لهم أموال لأنفسهم غير أموال المسلمين التي اغتصبوها على ما يتهم أمير المؤمنين؟

فسكت الخليفة المنصور مدة يتفكر في كلام الرجل، ثم قال: يا ربيع، صدق الرجل ما يجب لنا على الرجل شيء، ثم قال للرجل: ألك حاجة؟ قال: نعم. قال: فما هي؟ قال: أن تجمع بيني وبين من سعى فيَّ إليك فو الله يا أمير المؤمنين ما لبني أمية عندي مال ولا سلاح. وإنما أحضرت بين يديك وعلمت ما أنت فيه من العدل والإنصاف واتباع الحق واجتناب المظالم، فأيقنت أن الكلام الذي صدر مني هو أنجح وأصلح لما سألتني عنه.

فقال الخليفة المنصور: يا ربيع، اجمع بينه وبين الذي سَعى به فجمع بينهما. فقال الرجل: يا أمير المؤمنين، هذا أخذ مني خمسمائة دينار وهرب، ولي عليه مسطور شرعي “يعني كتاب بذلك المال”. فسأل المنصور الرجل فأقر بالمال. قال: فما حملك على السعي كاذبًا؟ قال: أردت قتله ليخلص لي المال. فقال الرجل في هدوء وعن طيب نفس: قد وهبتها له يا أمير المؤمنين، لأجل وقوفي بين يديك وحضوري مجلسك ووهبته خمسمائة دينار أخرى لكلامك لي”. فاستحسن الخليفة فعله وأكرمه ورده إلى بلده مكرمًا. وكان المنصور في كل وقت يقول: “ما رأيت مثل هذا الشيخ قط، ولا أثبت من جنانه ولا مَن حَاججني مثله، ولا رأيت مثل حلمه ومروءته”.

وتدل تلك القصة على حُسن التخلص والصدق مع النفس والمروءة والكرم، بجانب الحُجة البليغة والدليل القاطع للمسائل، ثم أن الرجل لم يأتِ أمرًا منكرًا، بل قابل الإساءة بالإحسان، فالرجل الذي اتهمه ظلمًا وأراد قتله ليحصل على الأموال التي في حوزته، قد حصل على المال رغم كذبه وخداعه، وكان جديرًا به أن يقتص منه، ثم إنه أعطاه مالاً يضاف إلى ما عنده وترك له كل شيء وتسامح في حقه، ولم يحمل عليه في صدره شيئًا، ولذا فقد أكرم الخليفة الرجل ورده مكرمًا إلى أهل، بل وظل طوال الوقت يذكره بالخير والحلم والمروءة وحسن الحجة والثبات في أحلك الظروف صعوبة.