خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

قصة الفتنة الكُبرى لبابك الخرمي في الدولة العباسية

ID 177829437 © Petr Novotny | Dreamstime.com

كانت أرض فارس طوال الوقت منبتًا للصراعات ونشأت الفتن، ظهر فيها في أي زمن كسرى “مزدك” صاحب مذهب الإباحة، أي إباحة المحرمات وانتهاب الأموال والأعراض والدماء، ثم تبعه في أيام الدولة العباسية مذهب آخر لا يقل عن ذاك المذهب إباحة وفسادًا، إنها الفتنة التي وضع أسسها بابك الخرمي في بلاد فارس أيام حكم المأمون، وقد امتد شرها حتى وصلت إلى حكم المعتصم، والذي استطاع بجهود مضنية التخلص من تلك الفتنة وحماية المسلمين من شرها بعد ردح من الزمن. ونتعرف فيما يلي على تلك الفتنة وصاحبها.

ابتدأت تلك الفتنة على وجه التحديد في عام 201 هـ، أي في زمن خلافة المأمون بن هارون الرشيد، علي يدي رجل يسمّى بابك الخرمي. وقد نشأ بابك بن بهرام في قرية تسمى بلال أباد في أذربيجان، وكان في مقتبل عمره ذا همة ونشاط وتأثير على الناس، وعندما رآه رئيس الإباحيين في منطقة “جبال البذ” الواقعة على الحدود بين أذربيجان وإيران، لذا أوصى بأن يخلفه بعد موته في قيادة الإباحيين، ولم حدث وتولى الأمر قم بإحداث مذهب مغاير لما كانوا عليه، بل قلبه رأسًا على عقب، فأخذ بالدعوة إلى مذهبه وقام بالحرب والاعتداء والقتل والاغتصاب والخطف والنهب، وكانت له أغراض توسعية دائمًا.

نشأ من خلال دعوته مع مرور الوقت الفرقة البابكية التي تُنسب إليه، وقد كان عام 201 هـ، هو البداية الحقيقية لتحرك بابك وأعوانه من أجل أعمال السلب والنهب، وهنا بدأ الخليفة في الانتباه له بعد أن خلصت له البلاد، فقد فرغ من الخلاف مع أخيه الأمين، وما أعقبها من وشائج، وبدأ المأمون يرسل له الجيش تلو آخر دون أن ينل منه، فقد تحصن بين الجبال، وعظم أمره وتبعه أهل الجبال واتخذوا من أفعاله مذهبًا لهم، وخاصة جبال همذان، وأصبهان، وماسبذان. وعندما أدركت المنية المأمون أوصى أخاه المعتصم بقتالهم وتوجيه الجيوش وصرف الأموال لوأد فتنة بابك وعشيرته.

وعندما تولى المعتصم الخلافة كان أكبر همه القضاء على فتنة بابك حتى لا تنتشر في سائر البلاد الفارسية وبلاد ما وراء النهر، ولذا فقد عين المعتصم قائدًا عامًّا للجيوش الإسلامية، وهو “الأفشين” واسمه الحقيقي: حيدر بن كابوس، وهو فارسي وقد استطاع هذا القائد المحنك أن يوقع ببابك أول هزيمة في عام 220 هـ، وقد نجا فيها بابك من الموت وفر مع نفر قليل من عشيرته، وعاد إلى جبال البذ وتحصن بها، وكان هذا بداية خير في تغير المسار بعد قتل عدد كبير من جنود بابك وقواته.

وقد عزز المعتصم من قوة الأفشين بإرسال قوات دعم له، فأرسل له بغا الكبير وجعفر الخياط في جيوش وأموال كثيرة، ولكن بابك كان في حصونه المنيعة، إضافة إلى سوء الأحوال الجوية، وهو ما منعهم من خوض قتال شامل عليه، وكانت للأفشين خطة ذكية، إذ قام بأسر بعض جواسيسه وأغراه بالمال والعمل لصالح جيش الخلافة، فاستطاع أن حدث شرخًا داخليًا. وكان واقع انتصار قوات أفشين على أحد أكبر قادة بابك والقضاء عليه وضم مدينته، كبيرًا على بابك، حيث تجمعت الجيوش على أسوار مدينته، وأخذ الأفشين يراوغه ويماطله، فأصبح الجنود الملل، وفي لحظة حاسمة تقدمت فرقة من المتطوعين للقتال، والذين خرجوا طلبًا للشهادة، وطلبوا من الأفشين التقدم والقتال المباشر، وفعلاً استطاعوا بفضل الله فتح المدينة وتحقيق النصر في 20 رمضان 222 هـ، ولكن بابك فر بأمواله ونسائه وأولاده إلى منطقة أرمينية.

كتب الأفشين لبابك بالأمان، لكنه ظل يرفض، فطارده الجنود، ودخل بابك إلى الغابات واحدة تلو أخرى، حتى أسر كل من معه ولم يبق معه إلا بعض الخواص. وفي النهاية استطاع أحد الجنود وهو سهل بن سنباط، أن يحتال على بابك وأوهمه أنه من رجاله، فلم علم أنه أمن له أبلغ الأفشين، وبالفعل حضر الجنود وأسروا بابكًا وأرسله مقيدًا إلى المعتصم، وأمر المعتصم به فقطعت يداه ورجلاه ثم ذبح، وأخذت رأسه إلى خرسان لتعلق هناك، وبقيت جسده مصلوبًا في العراق. وهكذا انتهت فتنة بابك التي امتدت 22 عامًا، قتل خلالها ما يقارب 255 ألف مسلم، وحررت من سجنه نحو 7600 امرأة مسلمة. وأنفق في قتاله ما يربو على 22 مليون درهم.