خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

قصة المسامير والسياج

Photo by Tatiana Syrikova from Pexels

هذه قصة مؤثرة يحاول الأب من خلالها أن يعلم ابنه الصغير كيف يسيطر على مشاعره ويتحكم في نفسه وغصبه، وكيف يمكنه تفريغ الطاقة الكبيرة التي يجدها في نفسه أحيانًا. إنه يعلمه بشكل عملي ومن خلال خطة وضعها له دون أن يتحدث كثيرًا فيتعب نفسه، ولا يصل إلى شيء مفيد في النهاية، لقد أرد الأب من خلال تلك العملية أن يعلم ابنه درسًا في الحياة ربما لن يحتاج إلى غيره ليغير من سلوكه إلى الأفضل. ولعلنا نحتاج مثل تلك المواقف لنعالج بها مشاكل أبنائنا وبيوتنا، ولتكون أمامنا دائمًا صورة حاضرة كلما لزم الأمر. وتدور أحداث تلك القصة كما يلي:

كان هناك ولد عصبيّ للغاية، وله مزاج متقلب، فكان سريع الانفعال وكثير الغضب، يفقد صوابه مع أقل الأسباب لذلك، ففكر والده في حيلة لكي يخرجه مما هو فيه، فقد كان يراه غاضبًا ومنفعلاً فيتأثر ويشعر بالعجز حيال ذلك، ويومًا وراء آخر ازدادت حالة الولد، ولم يعد قادرًا على فعل شيء سوى الغضب والانفعال والصراخ، وظل يفكر في حيلة تمنعه عن ذلك. وذات يوم دخل الأب البيت وهو ممسك بكيس من المسامير، فركض الولد نحوه وقال: ما هذا يا أبي؟ فرد عليه قائلاً: هذه مسامير يا بني، وأظن أنك صاحبها. وأعطاه الكيس، فسأله الولد: ماذا أفعل بها؟ فقال له: أريدك يا بني أن تدق مسمارًا في السياج الخشبي لحديقتنا كلما أصبت بموجة غضب أو فقدت صوابك.

أخذ الصبي المسامير وبدأ ينفذ ما يقوله له والده، فخرج في اليوم الأول حينما شعر بالغضب ودق 37 مسمارًا، وشعر أن إدخال المسمار في السياخ ليس سهلاً ويأخذ وقتًا، ولذا بدأ يتمالك نفسه ويهدئ من ثائرته كلما غضب، وإذا لم يتمالك نفسه فإنه يقوم بدق مسمار، وإذا سيطر على انفعالاته امتنع عن الدق وتوقف. ويومًا بعد آخر أصبح استخدامه للمسامير يقل، وبعد عدة أسابيع استطاع أن يضبط انفعالاته ومشاعره ويتوقف إلى حد كبير عن الغضب وعن التصرفات الهوجاء.

أخذ فجأة يتحكم في ذاته من جديد، ولم يعد يدق المسامير، ولذا ذهب إلى والده لكي يخبره بما حدث معه، وقال له: الحمد لله يا أبي لقد ضبطت نفسي وغضبي ولم أعد أدق المسامير. فرح الأب بتلك الكلمات وشعر بالتحول الكبير لدى ابنه، لكنه قال: لكن عليك الآن أن تستخرج مسمارًا مما دققته في كل يوم مر عليك وأنت على حالتك الجديدة. وبدأ الولد في تنفيذ ذلك وأخذ يخلع مسمارًا وراء آخر.

 واستطاع بعد مدة أن يستخرج كل المسامير التي وضعها في السياج لمدة أشهر متتابعة، فذهب لوالده وأخبره بهذا الإنجاز الكبير، فلم رأى الأب ذلك ففرح بذلك فرحًا عظيمًا، وظل يشجعه على فعل المزيد، وقال له: لقد أحسنت صنعًا يا بني، هذا عمل رائع بكل تأكيد، لكن عليك أن تنظر جيدًا إلى تلك الثقوب الظاهرة في السياج من أثر المسامير، هل عاد السياج إلى حالته قبل دق المسامير؟ وهنا تفحص الولد السياج ووصلته رسالة أبيه، وعلم أن الأمور التي نفعلها تترك أثرًا لا يندمل حتى بعد إصلاحها، لذا من الأفضل ألا نقوم بها، وأن الكلمات التي ننطق بها وقت الغضب تترك أثرًا لا يمحى مثل ثقوب السياج التي بقت فيه بعد التوقف عن الغضب.

يقول الشاعر: “جـراحاتُ السِّنـان له التئامٌ … ولا يلتام مـا جـرَح اللسان”، ولذا يجب علينا أن نراقب كلماتنا ومشاعرنا وأن نتحكم فيها ونوجهها نحو الأفضل، كما يجب أن نوجه أبناءنا ونرشدهم إلى ما ينفعهم بأسلوب سهل وعملي وليس قوليًا فقط.