قصة الملكة زنوبيا

تاريخ 1 Ramadan 1442 AH محمود أبوقُورة
الملكة زنوبيا

شغلت الملكة زنوبيا الناس قديمًا وحديثًا، فلا تزال شخصيتها تُثير العجب، كما أن كثرة ما رُوي عنها قد جعل الحديث عنها يبدو أقرب إلى الحكايات الأسطورية القديمة. وقد أصبحت ملكة على إحدى المستعمرات الرومانية، وهي “تدمر” في الفترة من: 267 م أو 268 م، وحتى عام 272 م، وتُسمى بالآرامية (بات زباي). كانت زنوبيا زوجة الحاكم المفوض من الإمبراطورية الرومانية ويُدعى (أُذَيْنة) والذي تمكّن من ضم المناطق الشرقية وأخذها من الفارسيين وأعادها إلى الملك الروماني.

وقد تم اغتياله مع ابنه (هيردوس) في عام 268 م، الأمر الذي جعل زنوبيا وصيةً على العرش. لأن ابنها “وهب اللات” (الوريث الشرعي) لا يزال صغيرًا. بدأت زنوبيا حكمها لتدمر بمحاولة الانفصال عن الإمبراطورية الرومانية. وأرادت الاستقلال التام لملكها دون تبعية لأحد، وبالفعل أعلنت استقلالها التام عن روما في عام 269 م.

الملكة زنوبيا واعتلائها العرش

بدأت زنوبيا حكمها ببعض الانتصارات العسكرية الخاطفة، وارتفع شأنها بين الممالك الأخرى، وأصبح لها سطوة كبيرة على مَن حولها. لكن هذا لم يستمر طويلاً فقد قام الإمبراطور (أورليان Aurelian) بقيادة حملة كبيرة، وهزم جيوشها في أغلب المناطق التابعة لها: حمص، وأنطاكيا، ثم حاصر تدمر ذاتها. وقد حاولت زنوبيا الثورة على الحكم الروماني في محاولة أخيرة منها، في عام 273 م. الأمر الذي أدى إلى اجتياح القوات الرومانية لتدمر والسيطرة عليها وإلقاء القبض على زنوبيا، والتي اختلف المؤرخون حول نهايتها.

فبعضهم قال إنها لم تحتمل الصدمة وقتل نفسها بمساعدة بعض أتباعها وهي في طريق ذهابها إلى روما. وبعضهم رأى أنها وصلت إلى روما في موكب يشبه النصر. وبعضهم قال إنها عادة منتصرةً، وإن كان الأرجح في هذا أنها ماتت في طريق ذهابها أسيرةً إلى روما.

كانت ولادة زنوبيا ونشأتها في تدمر بسوريا تحت اسم (لوليا أورليا زنوبياIulia Aurelia Zenobia)، لوالدٍ يُدعى زباي بن سالم أو (يوليوس أورليوس زنوبيوس)، وهو شيخ قبيلة آنذاك. أم اسمها بالعربية فيظهر في المصادر التاريخية بأنها: الزباء بنت عمرو بن الظرب بن حسان بن أذينة بن السميدع. وهو الاسم الذي أُطلق عليها بشكل رسمي وموجود في الوثائق المعتمدة، وتعني كلمة بنت الزباء، أي صاحبة الشعر الطويل والساحر.

تميزت زنوبيا ببشرتها السمراء ووجهها الجميل المشرق وعيونها السود، وكانت لها شخصية قوية وساحرة، وتستطيع المناورة والتكلم والتعبير عن رأيها بكل بيان وفصاحة. وقد كانت ثقافتها عالية؛ فقد اكتسبت عددًا من اللغات وأجادت فيها، مثل: اللغة الآرامية، والإغريقية، واللاتينية، والمصرية. وكانت تعشق هواية الصيد وقراءة كتب التاريخ والآداب والفلسفة وخاصة أفلاطون.

قيادتها الجيوش

كان اعتلاء الملكة زنوبيا للعرش بسبب بعض الظروف الطارئة التي حدثت بعد مدة من زواجها من ملك تدمر “أُذينة سبتيموس “Septimius Odaenathus. حيث خرجت إلى قيادة الجيوش معه لتوسيع المملكة والحفاظ على ملك الرومانيين ومضايقة الساسانيين. ورغم أنهم استطاعوا أن يحققوا انتصارات متتالية. فإن الأمر انتهى باغتيال الملك وابنه الأكبر. ولم يتبقَ سوى زنوبيا وولدها الصغير (وعمره سنة واحدة)، مما جعلها الوصية على العرش لحين بُلغ الطفل، وهكذا أصبحت زنوبيا ملكة تدمر.

وقد ذكرت الكثير من المصادر التاريخية أنها كانت حكيمة في آرائها، ولديها خُطة محكمة لإدارة المملكة وتوابعها، ولكنها هُزمت بسبب فرط قوة الجيش الروماني وعدده وعتاده. فلم تكن الدولة الرومانية لتقبل بانفراد زنوبيا بمملكة تدمر وحدها، وهي مملكة مؤثرة على استقرار الحكم الروماني في الممالك الأخرى. كما أن موقع “تدمر” كان غاليًا، فهي تقع على نهاية حدود الدولة الساسانية بفارس. مما يعني أن عدم السيطرة عليها سيؤدي لانقضاض ألد أعداء الرومانيين على الحدود والتخوم المجاورة لدولتهم.

وهذا يعني أن هدفهم القادم سيكون الدخول لقلب الدولة الرومانية ذاتها. كما أن مملكة تدمر كانت ثرية وتمتلك ثروات كبيرات مما جعلها مصدرًا لطمع الدولة الرومانية. ولكن يكفي زنوبيا شرفَ محاولة الاستقلال بملكها العربي عن سطوة الرومانيين واستغلالهم.

 

الكاتب/ محمود حنفي أبو قُورة

باحث أكاديمي وشاعر