خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

قصة بهلول: القبر الباقي والقصر الزائل

ID 2312188 © Andrea Haase | Dreamstime.com

كانت شخصية بهلول عجيبة للغاية، فهو عاقل وفقيه وعالم، وفي الوقت ذاته مجنون يمتطي قصبة يجعلها حصانًا يركبه ويمر به على الناس في السوق، وهذا التناقض قد جعله ذا شخصية مزدوجة غلب عليها الأقاويل وتناقل الناس الأخبار المتضاربة عنها. يدعى أبا وهب بن عمرو الصيرفي الكوفي، وقد لد بالكوفة، وتوفى في عام 197 هـ، الموافق 810 م، وتعد صورته من الأمور التي طغت على بغداد في تلك الفترة باعتباره قد نال شهرة واسعة فيها، وكان لاتصاله بهارون الرشيد الشأن الكبير في ذيوع صيته، حيث روي أنه كان يلتقي باستمرار، ليقدم له الحكايات والطرائف المفيدة ويقوم بتسليته. والقصة التي معنا اليوم دارت بين الخليفة هارون الرشيد وبين بهلول، حيث جاءت ضمن كتاب “عُقلاء المجانين”.

وتروي القصة أن هارون الرشيد مر على القبور ذات يوم فوجد بهلول جالسًا بينها، فقل له معنِّفًا: “يا بهلول يا مجنون متى تعقل؟”. فركض بهلول مسرعًا وصعد إلى حيث شجرة، ثم أخذ ينادي هارون بصوت عالٍ: “يا هارون يا مجنون، متى تعقل؟”. فمشى هارون وهو على صهوة جواده، وقال له: “أنا المجنون أم أنت أيها الجالس على المقابر؟”. وهنا قال بهلول: بل أنا عاقل!. عند تساءل هارون قائلاً: وكيف ذلك يا بهلول. فأجاب بهلول: لأني عرفت أن هذا زائل “مشيرًا إلى قصر هارون” وأن هذا باقٍ “مشيرًا إلى القبر” فعمرت هذا قبل هذا، وأما أنت فإنك قد عمّرت هذا “يعني قصره”، وخربت هذا “يعنى القبر”، فكرهت أن تنتقل من العمران إلى الخراب مع علمك أن ذاك مصيرك لا خلاف في ذلك، وقد أردف بهلول: “قل لي مَن منا المجنون الآن؟”.

وهنا ارتجف هارون الرشيد وشعر بقشعريرة تسري في جسده وكأنه يسمع تلك الموعظة لأول مرة في حياته، وبدأ في البكاء الشديد حتى ابتلت لحيته. وقال لبهلول: “والله إنك لصادق فيما تقول”. وطلب منه أن يزيده من تلك النصيحة الغالية: “ذدني يا بهلول”. فأكمل بهلول كلامه ونصيحته: “يكفيك كتاب الله فالزمه”. وهنا أحس هارون الرشيد وهو الخليفة بوقع كلام بهلول على قلبه، وأراد أن يمنحه شيئًا تعبيرًا عما فعله بهلول، فسأله: “ألك حاجة فأقضيها؟”، فرد عليه بهلول بقوله: “نعم عندي ثلاث حاجات إن قمت بأدائها شكرتك”. فقال له هارون وهو يوقن الإجابة والتلبية: “إذن أطلبها”. فقال له بهلول بصوت ينم عن فهم الدنيا والزهد فيها: “أن تزيد في عمري!”، فأجابه هارون وهو مندهش بأنه لا يقدر على فعل ذلك. فأكمل بهلول وطلب الحاجة الثانية: ” أن تحميني من ملك الموت!”، ففعل هارون وكرر ما قاله سابقًا وقال بأنه لا يقدر أن يمنع عنه ملك الموت، فأكمل بهلول وطلب حاجته الأخيرة: “أن تدخلني الجنة وتبعدني عن النار!”. فازدادت حيرة الخليفة ومن معه ورد قائلاً: “لا أقدر”.

لقد عرض بهلول أمورًا ثلاثة لا يقدر عليه إلا الله، لذا فإن الخليفة وقف عاجزًا عن الوفاء بأي منها، ولذا اختتم بهلول كلامه بقوله: “إذن فاعلم أيها الخليفة أنك مملوك ولست ملكًا، ولا حاجة لي عندك”. لقد منح بهلول المجنون الخليفة هارون درسًا قاسيًا في الملك والجاه والسلطان، بوصفه عرضًا زائلاً لا محالة، وأن الشيء الخرب الذي نراه أمامنا “وهو القبر”، هو الباقي ويجب أن نعمل له طول حياتنا.

لقد أدرك بهلول فوائد تعظيم الآخرة في القلوب وأثرها، والشوق الى لقاء الله والحنين إلى المستقر والنعيم الدائم الذي لا يشوبه تعب ولا وصب ولا حزن، فالحزن الحقيقي ليس على ما مر في الدنيا وانتهى، ولكن على ضياع العمل الصالح والتوفيق في الوصول إليه، لذا كان من الدعاء المأثور: “اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا”. وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه دائمًا ما يقول: “ما أصابتني مصيبة إلا حمدت الله على أنها لم تكن في ديني”.