قصة تحول مالك بن الريب من السلب إلى الجهاد

nick-fewings-iSJzuH4-Ps

ذات يوم لم يكن أحد يتوقع أن يتحول مالك بن الريب هذا التحول الكبير، من قاطع طريق يسلب الناس أقواتهم وغنائمهم وتجارتهم، إلى رجل يخرج مجاهدًا بنفسه، ويصل إلى سنام الجهاد حينما يرزقه الله حُسن الخاتمة، فيمرض ويموت في رحلة عودته إلى أهله، يموت في الأرض التي جاهد فيها وخدم الدين، غريب هناك عن ذنوبه التي اقترفها في أرض أهله وبين ذويه من أبناء رحمه، فيكون موته أشبه بالمكافأة من الله تعالى، وبشارة على موته في أرض الطاعة وقبضه على ما هو عليه من تضحية وفداء.

ومالك بن الريب التميمي شاعر من بني مازن، كان يُكنى بأبي عقبة، وهو من نجد نشأ فيها، وكان من فرسانها الأبطال، تميز بالشجاعة والإقدام، وخوض المخاطر وكان لا ينام إلا وسيفه معه، وفي بداية شبابه استغل قوته وفتوته في قطع الطريق على الناس وسلبهم، ويقال إنه جمع حوله نحو ثلاثين رجلاً من الصعاليك، وكان أشهر على الإطلاق الثلاثة الأكثر شرًّا في وقتهم، وهم: شظاظ الضبي، وأبو حردبة المازني التميمي، وغويث بن كعب التميمي. وكان شظاظ أكثرهم شهرة حتى قالت فيه العرب: ألص من شظاظ، وكانوا جميعًا يقومون بقيادة مالك ابن الريب بسلب الأغنياء والعابرين وقوافل التجارة، وممن يرون أنه يستحق السرقة، إذ كانت قاعدتهم الأساسية هي أن هؤلاء التجار الأثرياء لا يخرجون زكاة أموالهم، ومن ثم فإن هناك فقراء كثيرين يحتاجون المال أو شيئًا من الطعام ولكنهم لا يجدون شيئًا مطلقًا، وكانوا بالفعل يخرجون شيئًا مما أخذوا فيضعونها ليلاً على بيوت الفقراء في نجد، وعندما يحل الصباح يجد الناس بعض ما يأكلونه أمام الأبواب، ويستغربون هذا الفعل.

لقد كانوا يقومون بعملية توزيع للأموال حسب أهوائهم، ويحصلون عليهما أيضًا من خلال النهب والسرقة. وكان ذلك كله إبان حكم الخليفة الأول في الدولة الأموية معاوية بن أبي سفيان، وقد شاع خبرهم في نجد وفي جزيرة العرب والدولة الأموية، وبدأ الناس في تناقل أخبارهم، وتحدثوا بأمر الطرق التي يسلكونها، ولم تكن التجارة آمنة بين الشام والمدينة، فأراد الولاة التخلص منهم وكانوا يلاحقونهم على الدوام، لكنهم كانوا يسرعون بالهرب في منزلقات وعرة في الجبال، وكانت لدى مالك خفة في الحركة وذكاء كبير في الانتقال من مكان إلى آخر.

بدأ الخليفة يشعر أن تلك العُصبة قد جعلت الناس يظنون شرًا بالسلطة وببني أمية خاصة، فشدد عليهم وأخرج لهم الولاة جنودًا يترصدونهم في كل طريق، وفي تلك الأثناء جاء كتاب الخليفة بتولية سعيد بن عثمان بن عفان، وهو ابن الصحابي عثمان بن عفان رضي الله عنه، ولاية خرسان لإخماد الفتن والتوسع في الفتح الإسلامي هناك سنة 56 هـ، وفي الطريق من المدينة إلى حيث يتجه الجيش، وجد سعيد مالكًا بن الريب، وكانت له نظرته فيه، فدعاه أن يصحبه إلى الجلاد وأن يقاتل معه، ثم استتابه فقبل التوبة وأقر بذنبه، وشرح له سبب فعل ذلك.

وكانت لسعيد بن عثمان نظرة صائبة في مالك، لأنه لم يكن سارقًا أو لصًا بالمعنى الحقيقي، بل كان ناقمًا على بعض الأوضاع الاقتصادية التي يمر بها أهله في نجد، وخاصة أنهم كانوا لا يجدون شيئًا يأكلونه في سنوات الجفاف. وذهب مالك مع سعيد وأبلى بلاءً حسنًا، وأصبح من المقدمين في جيش المسلمين، وقد أجرى عليه سعيد خمسمائة دينار كل شهر.

امتدت ولاية سعيد بن عثمان عامين على خرسان، جرت فيهما عدة معارك شارك فيها مالك بن الريب ببسالة، ولما جاء قرار العودة عادا معًا، لكنّ مالكًا مرض مرضًا شديدًا، وأشرف على الموت، فخلفه سعيد وراءه، وتركه عند مُرّة الكاتب، وظل يعاني أيامًا حتى لفظ أنفاسه في مدينة مرو بين خرسان ونجد، وفي لحظاته الأخيرة قال قصيدته البكائية يلخص فيها رحلته.

يقال إن سبب موته لسعة أفعى، ويقال غير ذلك، ومهما يكن فقد مات وهو في ريعان الشباب، بعد أن تحول من الباطل إلى الحق، وبعد أن حسُنت سيرته، فرحمه الله تعالى رحمة واسعة.

هل لديك استفسار؟

تواصل معنا!