خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

قصة توبة “مالك بن دينار”

ID 143583041 © Leo Lintang | Dreamstime.com

تعد قصة توبة التابعي مالك بن دينار من أروع قصص التوبة والرجوع إلى الله تعالى، إذ تحولت حياته من النقيض إلى النقيض، إذ كان يعيش حياة العربدة والسكر، حتى مرت عليه محنة فغيرته، وأصلحت شأنه، وذلك بفضل الله وفضل طفلة صغيرة كانت تعني له الكثير. ونروي تلك القصة لتكون عبرة ومثلاً نقتدي به في حياتنا.

يحكي مالك بن دينار قصة توبته فيقول: ذات يوم اشتريت جارية جميلة فاتنة، وقد أنجبت منها طفلة كانت هي كل شيء بالنسبة له، وكنت أشرب الخمر، ولا أكاد أتركها من يدي، وعندما بدأ ابنتي تشب عن الطوق، أخذت تلاعبني، وكلما أمسكت بكأس الخمر أسقطته أرضًا، فكأنها ترسل لي برسالة: أبي لا تشرب. وقد ظلت على حالها تلك، حتى تمكنت من الامتناع عن الخمر، فأصبحت ابنتي كل شيء في لهوي ولعبي ومثلت سعادتي كلها، وظل الأمر هكذا إلى أن قدر الله أن تفارقني وتصعد روحها إلى خالقها.

وعندها أحسست بالضياع، والحزن، وتملكني الغضب الشديد، وقد تألمت لفقدها ألمًا لم أعرف مثله قط، ونتج عن ذلك العودة إلى الخمر من جديد، ووقعت في كل أشكال الفتن والمعاصي والفواحش، وفعلت كل ما يمكن فعله، حتى إذ حلت ليلة النصف من شعبان، إذ حدث ما لم يكن متوقعًا، فتركت الخمر، وعدت إلى الطريق المستقيم من جديد.

فما الذي حدث في ليلة النصف من شعبان؟ يقول مالك: عدت في ليلة النصف من شعبان ثملاً كما جرت العادة، فنمت دون أن أصلي، فرأيت في منامي أن يوم القيامة قد حان، وقام الملك بالنفخ في السور، وبعثت الناس من القبور، وحشر الناس جميعًا وكنت من بينهم. ثم التفت ورائي فإذا بتنين كبير يريد أن يلتهمني، فزعت وهربت، ولكن إذ بشيخ له ريح المسك يقف أمامي، فألقيت عليه السلام، فرد السلام عليَّ، فطلبت منه أن ينقذني من التنين، فقال لي إنه ضعيف على ذلك، ولا يقدر، لذا ابحث عن النجدة بعيدًا، فتركته ورحلت، وأخذت أبحث في كل مكان عن مخرج حتر رأيت النار أمامي فكدت أسقط فيها، فإذا بمنادٍ يقول: ارجع فأنت لست من أهلها، فأحسست بالاطمئنان ولكني تذكرت التنين، فرجعت إلى الشيخ وقلت له أجرني، فقال: أنا ضعيف، ولكني سأدلك على كيفية النجاة، اذهب إلى هذا الجبل ففيه ودائع المسلمين، ولك فيه وديعة علها تنجيك.

يستكمل مالك بن دينار قصته فيقول: فاستدرت لأرى الجبل، فإذا به جبل من الفضة مستدير، فسابقت إليه هربًا والتنين خلفي يلاحقني، وفي تلك المرة كاد أن يلحقني، ونادت الملائكة على أهل الجبل أن يخرجوا، لعلى أجد الوديعة التي تنجيني. فخرج الأطفال أفواجًا حتى رأيت ابنتي بينهم، فصاحت به أبي، وقفزت على كتفي وتعلقت بي بشدة، ومدت يدها اليمنى نحو التنين فهرب منها وتركني معها، ثم أجلستني وجلست في حجري، وأمسكت بلحيتي وقالت الآية الكريمة: “ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله”. فبكيت وقلت لها: أي بنيتي هل تعرفون القرآن؟ فقالت: نحن أعلم به منكم. فقال لها ما هذا التنين الذي يود قتلي؟ قالت: هذا عملك السيئ قويته وجعلته يدفعك نحو النار. فقلت لها: ومن الشيخ الطيب؟ قالت: هذا عملك الصالح أضعفته وجعلتك لا يقوى على الصمود في وجه الأعمال السيئة. قلت: ومال خطب الجبل الذي تعيشون فيه؟ فقالت: مكان أسكننا الله فيه إلى قيام الساعة حتى نشفع لكم.

استيقظ مالك من نومه، فسمع صوت الأذن ينادي لصلاة الفجر، وسمع الإمام يقرأ: “أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ”. (سورة الحديد: 16)، فعلم أنها رسالة من الله تعالى للهداية والتوبة، لذا قام واغتسل وتوضأ وعاهد الله على عدم العودة لما كان عليه، وبالفعل ظل يعمل الصالحات إلى أن وافته المنية، لقد صدق الله وأخلص التوبة فكان حقًا على الله أن يقف بجانبه، وأن يعينه على نفسه وعلى الشيطان.