خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

قصة جحا في بلاط الملك

ID 41275077 © Rob3000 | Dreamstime.com

نوادر جحا ومواقفه كثيرة، وهو في كل مرة يعطينا العبرة والدروس التي تجعلنا نفهم الحكمة من وراء أفعاله التي تبدو للناظرين غاية في الفكاهة والضحك. ومن تلك القصص والنوادر قصة جحا مع الملك، إذ يحكى أن جحا كان جالسًا ذات يوم شتوي بارد في قصر الملك الفخم، فبادر الملك جحا قائلاً: “هل يمكنك يا صديقي جحا الجلوس في العراء خارج القصر طوال تلك الليلة وأنت عاري الصدر”. فرد حجا قائلاً: “بالتأكيد يا مولاي الملك”. ثم أخذته الثقة والحماسة فأكمل: “يمكنني إضافة إلى ذلك أن أتركك تختار الليلة التي أقضيها في العراء، بحيث تكون قارصة البرودة عن تلك الليلة”.

وهنا تعجب الملك من كلام جحا الغريب ومن شجاعته المبالغ فيها، فقال: “تعلم، لو قمت بهذا الأمر، فإنني سوف أعطيك مقابل شجاعتك ذلك جائزة كبيرة تقدر بألف دينار ذهبي”.

وبعد مدة جاءت الليلة الموعودة التي وقع اختيار الملك عليها من أجل أن يبيتها جحا خارجًا وعريًا في البرد الشديد، وأمر الملك حراسه بأخذ جحا إلى أعلى الجبل وتجريده من كامل ملابسه، ثم الجلوس معه ومراقبته حتى لا يشعل نارًا للتدفئة، وقد فعلوا ما أمرهم الملك به، وقاموا بارتداء الملابس الثقيلة لحماية أنفسهم من البرد القارص، في حين جردوا جحا من ملابسه حسب أمر الملك.

وبالفعل قضى جحا ليلته، وظل يرتعش بردًا، وكاد دمه يتجمد في عروقه، ولكنه كان صبورًا. وفي الصباح اصطحبه الحراس إلى قصر الملك، وكانت المفاجأة أنه كان سليمًا لا يشتكي من أي وجع أو يعاني من مرض، وكأنه لم يذق مر البرد والعراء ليلة بطولها، وقد دُهش الملك من ذلك وتعجب أشد العجب، لكن جحا ظل طوال الوقت يحكي عن تجربته في تلك الليلة بكل شجاعة وقوة. وتساءل الملك منبهرًا منه: “هل شاهدت أي نار مشتعلة في أي مكان وأنت عارٍ في قمة الجبل هناك؟”. فقال جحا: “نعم رأيت ضوء مصباح يأتي من بعيد ضعيفًا. فقاطعه الملك قائلاً: أرأيت؟ هذا دليل على أنك استدفأت بضوء مصباح، وهكذا تكون قد خسرت مكافأتك لأنك لم تقم بالاتفاق كما ينبغي”. وهنا شعر حجا بصدمة وتملكه الغضب، وأخذ يفكر في حيلة كي يحصل بها على جائزته التي فقدها.

مر وقت طويل وجحا يفكر في القيام بتنفيذ حيلة لاسترداد الجائزة، وفي ذات يوم ذهب إلى قصر الملك ثانية، وقام بدعوة الملك وحاشيته إلى وليمة غداء عنده، وعددهم بتقديم وجبات شهية ومبتكرة بين المروج الخضراء. وبالفعل قام الملك بتلبية الدعوة وذهب مع حاشية إلى المأدبة، وجدوا الأمر كما وصف جحا بالضبط، وظلوا بين المروج في انتظار الطعام. وبدأ جحا في قص بعض المواقف الطريفة والمسلية على ضيوفه، وبعد مدة كان قد فات موعد الغداء، وكان الملك قد بدأ يشعر بالجوع الشديد، وكان جحا يتركهم لبعض شأنه ويذهب ثم يعود، والملك يشتد عليه الجوع، فأخذ يسأل عن الطعام، فيرد عليه جحا: “الطعام لم ينضج بعد يا مولاي”.

لما اشتد ألم الجوع بالملك، قام من مجلسه فزعًا يرافقه حاشيته الغاضبة من فعل جحا، وذهبوا إلى حيث يعد جحا الطعام، فشاهدوا أن حجا قد قام بأمر غريب؛ حيث وضع قُدور الطعام وربطها في أعالي الشجر فلا تصل النار الموقدة في الأرض إليها، بل يصل إليها دخان ضعيف للغاية. وقد أغضب ذلك الملك، فقال لجحا: “لن ينضح هذا الطعام أبدًا، أنت تسخر من الملك وحاشيته يا جحا”. فردّ جحا في سخرية: “عندما قضيت تلك الليلة الباردة في قمة الجبل، كنت قد حكمت عليّ يا مولاي أنني قمت بالتدفئة بضوء مصباح خافت جاءني من بعيد، إذن لما لا ينضج الطعام وليس بينه وبين النار إلا أمتار قليلة”. وعندها ضحك الملك بشدة وفهم مقصد جحا وخطته الذكية، ولذا أمر بإعطائه المكافأة الكبيرة التي وعده بها من قبل، وقدرها ألف دينار ذهبي.