خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

قصة جحا مع حمار الوالي

ID 168016589 © Vof Vermeulen Perdaen & Steyaert | Dreamstime.com

تعد شخصية جحا من أكثر الشخصيات الأسطورية والشعبية التي رويت حولها الحكايات والقصص الغريبة والطريفة، بحيث يظهر فيها بوصفه إنسانًا ماكرًا تارة، أو إنسانًا بلا معنى تارة أخرى، أو شخصية ساخرة ومضحكة تارة ثالثة، المهم أن يلازمه حماره، وأن يكون تفكيره مختلفًا ويواجه الأمور في أحيانًا كثيرة بشكل يخالف طبيعتها، مما يثير في الأنفس نوعًا من الضحك النابع من سخرية الموقف. وتعود أهمية قصص جحا ليس بوصفها شكلاً حقيقًا يجسد تاريخًا ما، ولكن بوصفها عملاً شعبيًّا لحقته زيادات الرواة، وهو عمل يجلب السعادة والطرفة ويقرب الموقف من ذهن القارئ، كما أنه يعطينا العبرة والدرس المستفادة منه. وفيما يلي نعرض قصة جحا مع حمار الوالي.

يروى أنه كان هناك مدينة ويحكمها رجل ظالم، لا يفرق بين حق وباطل، ولا يراعي حلالاً أو حرامًا، فاشتكى الناس من ظلمه وجوره، ووصل الأمر لأقرب الناس إليه من الوزراء والأمراء، لكنهم جميعًا لم يكونوا قادرين على الوقوف في وجه لشدته، وكان كثيرًا ما يتفنن في تنفيذ بعض الخطط الشريرة التي تخطر على باله بين حين وآخر، وكان من بين وزرائه رجل قريب الصلة والصداقة مع جحا، فكان بدوره يخبره بما يفعل الحاكم معهم ومع غيرهم.

وفي يوم من الأيام اختمرت في رأس الوالي الظالم فكرة غريبة، فقد قرر أن يعلم حمارة حروف الهجاء ليراه ينطق ويتكلم مثل الناس، ويكون قادرًا على تكليمه وفهمه، لذا طلب أن يحضروا له أكبر علماء المدينة، وبالفعل حضر العالم، وطلب منه الوالي أن يقوم على تعليم حماره الحروف الهجائية، لكنّ العالم رأى الأمر مستحيلاً، ولذا حاول إقناعه بذلك، وهنا غضب الوالي بشدة ولم يتقبل أسباب رفض العالم وآراءه، وطلب من وزرائه طرد العالم خارج المدينة لعدم استخدامه علمه بشكل صائب.

انتشر الخبر في المدينة، وعلم الناس أن الوالي مستعد لإعطاء المكافآت والأعطيات لمن يتمكن من تعليم حماره الحروف والنطق، لكنّ أحدًا لم يتقدم لفعل ذلك الأمر، نظرًا لاستحالته. وفي أحد الأيام أخذ جحا قرارًا بأن يعلم حمار الوالي الحروف الهجائية والنطق، وحاول الناس منعه عن ذلك الأمر لمعرفتهم مصيره إن فشل في مهمته، وكان الوزير المقرب من جحا أول الرافضين لدخوله في هذا الأمر، ولكن مع ذلك رفض جحا كلامهم، وتقدم للحاكم وأعلمه أنه مستعد للقيام بالمهمة.

وقد أعجب الحاكم بذلك ورحب بجحا ووعده بمكافأة كبيرة للغاية إن أفلح في مسعاه، وإذا لم يتمكن في تعليم الحمار فإن نصيبه المحتوم الجلد حتى الموت، فقال له جحا وهو غير متأثرًا بتهديد الجلد والموت: ينبغي أن تمنحني مدة عشر سنوات لتعليم الخمار. فقال الحاكم: لكن السنوات العشر كثيرة جدًا. فقال له جحا: إن تعليم الطفل الصغير يحتاج عدة سنوات، والحمار رأسه أصعب من رأس الطفل، لذا فهو في حاجة لتلك المدة ليتعلم سلوكيات البشر ويعرف كيفية النطق والتعبير. اقتنع الحاكم بما ذكره جحا، فعرض عليه جحا أن يشرف شخصيًا على الدروس التي يقدمها بشكل يومي للحمار، فقبل الحاكم وخصص غرفة مجهزة في القصر لجحا وقاعة لتعليم الحمار.

 وعندما خرج جحا من عند الوالي قابله صديقه الوزير، ووصفه بالأحمق الطائش لكي يقبل بتلك الخطوة المتسرعة، فقال له جحا بكل هدوء: أنا أعلم أن حمار الوالي لن يتعلم النطق والكتابة، ولكن في السنوات العشر تلك يوجد كثير من الاحتمالات، فإما أن يتعلم الوالي ويفرق بين الحق والباطل من خلال حضوره اليومي للدروس، وإما أن يغدو مجنونًا عندما يعرف أنني خدعته، أو أن أجن أنا من الوالي وحماره معًا، وإما أن أموت أو يموت الوالي وينتهي كل شيء.