خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

قصة زبيدة والحكيم: ثمن الجنة

ID 162894313 © Dannyphoto80 | Dreamstime.com

تروى تلك القصة واحدة من حكايات أعقل المجانين بهلول الذي يسمّى بأبي وهب، فقد عاش على مقربة من قصر الرشيد لكنه ظل مسكينًا وفقيرًا يصنع الخُوص ويبتاعه في السوق ليكسب رزقه، وكان يقوم بأمور صبيانية جعلت الناس يسمونه بالمجنون، ومن تلك الحكايات والغرائب ما بين أيدينا الآن، فهيا بنا نتعرف على تلك القصة الطريفة.

يُحكى أن زبيدة زوجة الخليفة هارون الرشيد، قد مرت ذات يوم ببهلول وهو يلعب مع الصبيان ويخط الأرض بأصابعه، فلما رأت ذلك تألمت لحاله، وقالت له: ماذا تفعل؟ فقال بهلول وهو يلوح للأطفال: لا تهدموا البيت الذي بنيته. ثم التفت إلى زوجة الخليفة قائلاً: أما ترين أنني مشغول ببناء بيت؟ كانت تود أن تساعده بأي شيء يدخل السرور إلى نفسه ولكنها كانت تعلم أنه لن يقبل، فقال: أرى أنك تبي بيتًا جميلاً يليق بالأمراء، وأنا راغبة في شرائه. فأجابها قائلاً ورأسه منكس نحو الأرض ويخبط في التراب: نعم أبعه لك إن أردتِ. وعندها ألقت زبيدة نظرة إلى الخطوط الملتوية التي رسمها بهلول على الأرض، وقالت: اشتريت منك هذا البيت، فكم ثمنه؟

عندها قام بهلول على قدميه وأشار بيده إلى الصبيان وقال: إذن أبيعه بألف دينار لي ولهؤلاء الذين أعانوني على البناء. أشارت زوج الخليفة إلى خدمها وقالت: أعطوه ألف دينار. ثم انصرفت إلى شأنها، وأخذ بهلول النقود وقسّمها بين الفقراء. ومرت الأيام وذات ليلة رأى هارون الرشيد في منامه أمرًا غريبًا، شاهد كأنه يسير إلى الجنة فلما بلغ أبوابها، قيل له: انظر هذا قصر زوجتك زبيدة. فلم أراد أن يدخل مُنع من ذلك.

عندما أصبح هارون بعث إلى العلماء والفقهاء وقص عليهم ما رأى، فأشاروا إليه أن يسأل زوجه عما فعلت من البر، فلما سألها، تحيرت في تذكر الأمر الذي استحقت به ذلك القصر، غير أنها لم تتذكر غير الألف دينار التي أعطتها لبهلول، وقص القصة على هارون، والذي أدرك أنه في حاجة إلى بهلول ليشتري منه بيته ليكون له به قصر في الجنة مثل زوجته. سار هارون مع الحرس في كل زاوية للبحث عنه، فوجوده في ناحية ما يلعب في التراب مع صبيان المنطقة، لكنه لم يكترث له. فقال له الخليفة: أرى أن أقرب أقربائي يلعب مع الصبيان في التراب ويخط بأصابعه في الطين. فرد عليه بهلول: نحن ننعم بما رزقنا الله في تلك الحياة، وها أنت تراني مشغولاً ببناء بيت على أرض الله لكي أبيعه. فقال له هارون: بيوت ليست جميلة مثل القصور، ولكني في حاجة لشراء واحد منها. ألقى بهلول لأول مرة نظرة فاحصة نحو هارون وقال في ضجر: ثمن هذه الدور باهظ جدًا. فقال هارون متظاهرًا بعدم المبالاة: كل ما يتعلق برغبتنا نحصل عليه وإن كان الثمن باهظًا، فلا شيء يصعب علينا. وهنا قال بهلول دون تردد أنه يبيع الدار بآلاف الأكياس والأموال الكثيرة والبساتين.

استولى الغضب على هارون الرشيد، فقد طلب بهلول شيئًا لا يدرك لأنه لو جمع له ثروات الأثرياء ما قضت ثمن هذا البيت. بحث الخليفة عن السر وراء ما قاله بهلول، وقال له: لقد بعت زبيدة مثله بألف دينار فقط، ولما جئتك طلبت فيها كل تلك الثروة الطائلة. وهنا قام بهلول من الأرض وانتصب واقفًا، وبعثر بأطراف أصابع قدميه ما كان قد خطه على الأرض. وقال: ليعلم الخليفة أن هناك فرقًا كبيرًا بينه وبين زبيدة زوجته، فهي قد اشترت ولم تر، أما أنت فقد رأيت، وتريد تحصيل ذلك بالشراء. ثم عاد بهلول مرة أخرى ليلعب مع الصبيان، تاركًا هارون الرشيد ذاهلاً لا يعرف كيف يتعامل مع هذا الموقف سواء الانصراف مع جنوده.

تمنحنا تلك القصة العبرة في أن الجنة لها ثمن ويجب أن يسدد في حينه، وأن الإنفاق يعد من الأبواب الموصلة للجنة، وأن المُلك وسطوة السلطان ليست دليلاً على القرب منها، بل إن العمل الصالح الخالص لوجه الله هو المعيار الخاص بها.