خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

قصة عبد الله بن مروان مع ملك النوبة

ID 139694559 © Sergey Mayorov | Dreamstime.com

كانت الفترة التي اجتاحت فيها فرسان بني العباس الأراضي الخاضعة لدولة بني أمية، فترةً عصيبة ومؤثرة للغاية، وحدث فيها بعض الأحداث الخاصة بمسألة هرب بعض أمراء بني أمية مع أمتعتهم وأموالهم. ونقف هنا على قصة تبين لنا ملامح تلك الفترة في تاريخ أمتنا. يروى أن أبي جعفر المنصور ذكر يومًا في مجلسه زوال ملك بني أمية وما جرى لهم، وأنهم عاشوا سعداء وماتوا فقراء، فقال له إسماعيل بن علي الهاشمي: “إن عبد الله بن مروان بن محمد في حبسك، وله قصة مع ملك النوبة. فأحضره واسأله عنها. فأحضره، وقيل له: اقعد! فقعد.

وسأله الخليفة: ما قصتك مع ملك النوبة؟ فقال: يا أمير المؤمنين، كنت ولي عهد أبي فلما طلبتنا “أي بحثت عنا” دعوت عشرة من غلماني ودفعت لكل واحد ألف دينار وأوسقت خمس بغال وشددت في وسطي جوهرًا له قيمة عظيمة وخرجت هاربًا إلى بلاد النوبة، فلما قربنا بعثت غلامًا لي، فقلت له: امض إلى هذا الملك وأقرئه السلام وخذ لنا منه الأمان. فمضى وأبطأ حتى أسأت به الظن، ثم أقبل ومعه رجل فدخل وسلم وقال: الملك يقرئك السلام ويقول لك: من أنت وما جاء بك إلى بلادي؟ أمحارب، أم راغب في ديني، أم مستجير بي؟

فقلت له: رد على الملك وقل له، ما أنا بمحارب ولا راغب في دينك ولا ممن يبتغي بدينه بدلاً بل مستجير به. فذهب الرسول ورجع إليَّ وقال: الملك يقول لك أنه سيأتي إليك غدًا فلا تحدث نفسك حدثًا. فقلت لأصحابي: افرشوا الفراش، ففرش لي وجلست من الغد أرقبه، وإذا هو قد أقبل حافي الرجلين، ومعه عشرة معهم الحراب: ثلاثة يقدمونه وسبعة خلفه، فاستصغرت أمره وسولت لي نفسي قتله، فلما قرب إذا بسواد عظيم يلوح في الأفق، قلت: ما هذا؟ قالوا: الخيل. فلما دخل جلس على الأرض، فقلت لترجمانه: لِمَ لمْ يقعد على الموضع الذي وطِئ له؟ أي المكان المخصص له. فسأله، فقال: قل له إنه ملك وكل ملك حقه أن يكون متواضعًا لله وعظمته إذ رفعه الله على عباده.

ثم نكت بإصبعه الأرض طويلاً “أي وضعها في الأرض”، ورفع رأسه وقال: قل له كيف سلبتم هذا الملك، فأخذ منكم وأنتم أقرب الناس إلى نبيكم؟ فقلت: جاء من هو أقرب منا قرابة إليه، فسلبنا وغلبنا وطردنا فخرجت إليك مستجيرًا بالله، ثم بك. فقال: فلم كنتم تشربون الخمر وهو محرم عليكم؟ قلت: فعل ذلك أناس دخلوا في ديننا وفي ملكنا من غير رأينا. قال: فلم تركبون على الديباج وعلى خيولكم سروج الذهب والفضة وهي محرمة عليكم؟ قلت: فعل ذلك أناس دخلوا في ديننا وفي ملكنا بغير رأينا. قال: فلم كنتم إذا خرجتم إلى الصيد مررتم على القرى وكلفتم أهلها ما لا طاقة لهم به بالضرب والإهانة ولا يقنعكم ذلك حتى تحطموا زرعهم في طلب دراج قيمته نصف درهم، والتكليف والعناء محرم عليكم؟ قلت: فعل ذلك أتباع لم يأخذوا رأينا.

وهنا انتفض ملك النوبة وقال: “لا، ولكنكم استحللتم ما حرم الله عليكم وأتيتم ما نهاكم الله عنه فسلبكم العز وألبسكم الذل ونصر أعداءكم عليكم، ولله فيكم نقمة لم تبلغ غايتها بعد، وإني أخاف أن تنزل بك النقمة إذ كنت من الظلمة فتشملني معك، فإن النقمة إذا نزلت شملت، فاخرج بعد ثلاث، فإن وجدتك بعدها أخذت ما معك وقتلتك ومن معك. ثم وثب قائمًا وخرج وقمت ثلاثًا ورجعت إلى مصر فأخذني عاملك وبعث بي إليك، وها أنا ذا والموت أحب إليَّ من الحياة”.

وعند اكتمال القصة على هذا النحو، وجد المنصور في قلبه رقة على حاله، وكاد أن يهم بإطلاق صراحه، فقال له إسماعيل بن عليّ: في عنقي بيعة لهذا. فقال المنصور: فما ترى؟ قال: ينزل في دار من دورنا ويجري عليه ما يجري على مثله. ففعل المنصور به ذلك.