خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

قصة الحسن البصري مع الحجاج

قصة الحسن البصري مع الحجاج
ID 164259221 © Hajrullah | Dreamstime.com

لـ قصة الحسن البصري مع الحجاج شهرة كبيرة، لقد كان الحسن البصري من أعلم أهل زمانه وأفقههم، وكانت له هيبة في النفوس وإكبار من العامة، وسمعة مشهودة عند أهل زمانه، وكان معاصرًا للفترة التي تولى زام الحكم فيها على العراق الحجاج بن يوسف الثقفي، فوقع تجت سمعه وبصره ما رآه من الحجاج من ظلم وضلال، وكان رحمه الله لا يسكت عن ظلم أو ضلال قط حتى يرده، ويرشد الناس إلى ما فيه الخير والرشاد. وكان نتيجة ذلك يواجه مواقف شتى من الحجاج وأعوانه، فيصبر ويحتسب، لكنه لم يكن يغض الطرف عن اعتداءات الحجاج قط. ومن جملة مواقفه مع الحجاج نذكر تلك القصة التي تدل على ثباته وثقته في الله تعالى، فهيا بنا.

قصة الحسن البصري مع الحجاج

عندما استتب للحجاج أمر العراق واستطاع أن يُلجم لسانهم، ويدعوهم إلى الطاعة مثل العميان فيطيعون، أقام لنفسه قصرًا مشيدًا وبيتًا في مدينة واسط الواقعة بين البصرة والكوفة، وعندما انتهى من بنائه طلب من الناس الخروج إليهم لرؤيته ومشاهدته عن كثب، ووصف جماله وبهرجته وروعته، فلما وصل الخبر إلى الحسن البصري رحمه الله، وجد أن هذا التجمع يعد فرصة مواتية لإحقاق الحق ودعوة الناس إلى الخير، وصرفهم عن الزخارف وجمالها بما عند الله من فضل، ويذكرهم بالله وبأن الدنيا وبهجتها لا تسوي شيئًا عند الله تعالى.

نتابع معًا قصة الحسن البصري مع الحجاج ، حيث بالفعل خرج الحسن البصري فوجد أهل العراق يطوفون بقصر الحجاج معجبين بجماله وأناقته وحُسن تصميمه، فقال في حماسة ولهجة وعظ: “لقد نظرنا فما أبتنى أخبث الناس، فوجدنا أن فرعون قد شيد أعظم مما شيد، وبنى أعلى مما بنى، ثم أهلك الله فرعون، وآتى على ما بنى وشيد… ليت الحجاج يعلم أن أهل السماء قد مقتوه، وأن أهل الأرض قد غرّوه”. وقد مضى على تلك الطريقة، فأخذ يفضح الحجاج بأبشع الألفاظ، حتى إن الحاضرين قد أشفقوا عليه من الحجاج، فقالوا لهم: “حسبك يا أبا سعيد، حسبك هذا”، ولكنه ردهم بأن الله قد أخذ على أهل العلم والدين الميثاق ليبيننه للناس ولا يكتمونه، وها أنا أبين لكم ما خفي عنكم.

جاء الحجاج مجلسه صبيحة اليوم التالي وقد استشاط غضبًا مما قاله الحسن، وتعجب على جرأته عليه وهو يعلم عاقبة أمره. نظر الحجاج إلى جلسائه وقال: “تبًا لكم وسحقًا، يقوم عبدٌ من عبيد أهل البصرة ويقول فينا ما شاء أن يقول، ثم لا يجد فيكم من يرده أو ينكر عليه! والله لأسقينكم من دمه يا معشر الجبناء”. ثم نادى على السياف وأمره بإحضار النطع، ودعا الجلاد فحضر بين يديه، ثم أعطى أمره إلى الشرطة بإحضار الحسن، فارتجفت القلوب من ذاك الموقف، وجاء الحسن شامخًا وشفتاه تتحركان بكلمات لا يعيها من حوله، وتوجه إلى الحجاج في عزة نفس وعزيمة وإقبال. فما إن رآه الحجاج حتى قال له في مهابة ووقار لا يصدقان: “ها هنا يا أبا سعيد، ها هنا”، حتى أجلسه على مجلسه وسط دهشة عارمة من الحاضرين. ثم بدأ يوجه إليه الأسئلة فيما يحير ويحتاج إلى علم وفقه، والحسن يجيبه في كل ما يسأل بما لديه من سعة علم وفضل، فما كان من الحجاج إلا أن قال له: “أنت سيد العلماء يا أبا سعيد”، ثم قام فطيب له لحيته بأغلى أنواع الطيب وودعه.

فلما خرج الحسن وجد الحاجب خلفه ينادي عليه قائلاً: ” يا أبا سعيد، لقد دعاك الحجاج لغير ما فعل بك، وأنى رأيتك عندما أقبلت، ورأيت السيف والنطع، حركت شفتيك فماذا قلت؟”. فتبسم الحسن له وقال: “لقد قلت: يا ولي نعمتي وملاذي عند كربتي، اجعل نقمته بردًا وسلامًا عليّ كما جعلت النار بردًا وسلامًا على إبراهيم”.

وهكذا كانت تلك الدعوة منجية للحسن من الهلاك في ذلك اليوم، وهكذا خلدت قصة الحسن البصري مع الحجاج ، حيث جاء الحجاج  في اليوم التالي وقد استشاط غضبًا على جلسائه؛ إذ لم يعرفوا كيف يردون على الحسن فيما قاله بالأمس، فاستطاع بذلك أن يخرج من مجلس أعد لموته حيًّا، وذلك بفضل الله ونعمته.