خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

قصة نذر عبد المطلب جد الرسول

كان عبد المطلب صاحب همة عالية، فلم جدد حفر بئر زمزم وواجه من قريش ذلك الموقف، فإنه قد نذر أنه إذا رُزق عشرة من الأولاد أن يذبح أحدهم تقربًا إلى الله تعالى، ومع مرور الوقت تحقق الشرط بمولد الولد العاشر، وأصبح الآن مطالبًا بتلبية النذر الذي قطعه على نفسه يومًا. فهل يُضحي بأحد أبنائه؟ وهل يرضى أحد الأبناء بذلك؟ وهل تتركه قريش يفعل ذلك بأحد أبنائها؟ وكيف يوفي عبد المطلب بنذره؟ هذا ما نتعرف عليه في السطور التالية.

يروي ابن إسحاق تلك القصة فيقول: “وَكَانَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ، فِيمَا يَزْعُمُونَ، نَذَرَ حِينَ لَقِيَ مِنْ قُرَيْشٍ مَا لَقِيَ عِنْدَ حَفْرِ زَمْزَمَ، لَئِنْ وُلِدَ لَهُ عَشَرَةُ نَفَرٍ ثُمَّ بلغُوا مَعَه حَتَّى يمنعوه، لَيَذْبَحَن أَحَدَهُمْ لِلَّهِ عِنْدِ الْكَعْبَةِ. فَلَمَّا تَكَامَلَ بَنُوهُ عَشَرَةً، وَعَرَفَ أَنَّهُمْ سَيَمْنَعُونَهُ، وَهُمُ: الْحَارِثُ، وَالزُّبَيْرُ، وَحَجْلٌ، وَضِرَارٌ، وَالْمُقَوَّمُ، وَأَبُو لَهَبٍ، وَالْعَبَّاسُ، وَحَمْزَةُ، وَأَبُو طَالِبٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ، جَمَعَهُمْ ثُمَّ أَخْبَرَهُمْ بنذره ودعاهم إِلَى الْوَفَاء لله عز وجل بِذَلِكَ. فَأَطَاعُوهُ وَقَالُوا: كَيْفَ نَصْنَعُ؟ قَالَ: لِيَأْخُذْ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ قِدْحًا ثُمَّ يَكْتُبُ فِيهِ اسْمَهُ ثُمَّ ائْتُونِي. فَفَعَلُوا ثُمَّ أَتَوْهُ، فَدَخَلَ بهم على هُبل فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ، وَكَانَتْ تِلْكَ الْبِئْرُ هِيَ الَّتِي يُجْمَعُ فِيهَا مَا يُهْدَى لِلْكَعْبَةِ، وَكَانَ عِنْدَ هُبَلَ قِدَاحٌ سَبْعَةٌ، وَهِيَ الْأَزْلَامُ الَّتِي يَتَحَاكَمُونَ إِلَيْهَا إِذَا أَعْضَلَ عَلَيْهِمْ أَمْرٌ مِنْ عَقْلٍ أَوْ نَسَبٍ أَوْ أَمْرٍ مِنَ الْأُمُورِ، جَاءُوهُ فَاسْتَقْسَمُوا بِهَا فَمَا أَمَرَتْهُمْ بِهِ أَوْ نَهَتْهُمْ عَنْهُ امتثلُوهُ.

والمقصود من أن عبد المطلب جاء: يَسْتَقْسِمُ بِالْقِدَاحِ “أي: يطلب كل منهم نصيبه منها” عِنْدَ هُبَلَ خَرَجَ الْقِدْحُ عَلَى ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ وَكَانَ أَصْغَرَ وَلَدِهِ وَأَحَبَّهُمْ إِلَيْهِ، فَأَخَذَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بِيَدِ ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ وَأَخَذَ الشَّفْرَةَ ثُمَّ أَقْبَلَ بِهِ إِلَى إِسَافٍ وَنَائِلَةَ “وهي أصنام كانت تعبدها قريش” لِيَذْبَحَهُ، فَقَامَتْ إِلَيْهِ قُرَيْشٌ مِنْ أَنْدِيَتِهَا “أماكنهم” فَقَالُوا: مَا تُرِيدُ يَا عَبْدَ الْمُطَّلِبِ؟ قَالَ أَذْبَحُهُ، فَقَالَتْ لَهُ: قُرَيْش وَبَنوهُ إخْوَة عبد الله: وَاللَّهِ لَا تَذْبَحُهُ أَبَدًا حَتَّى تُعْذِرَ فِيهِ، لَئِن فعلت هَذَا لَا يزَال الرجل يجِيء بِابْنِهِ حَتَّى يَذْبَحَهُ، فَمَا بَقَاءُ النَّاسِ عَلَى هَذَا!؟”.

ومما يرويه ابن إسحاق أن الْعَبَّاسَ هُوَ الَّذِي اجْتَذَبَ عَبْدَ اللَّهِ مِنْ تَحْتِ رِجْلِ أَبِيهِ حِينَ وَضَعَهَا عَلَيْهِ لِيَذْبَحَهُ، فَيُقَالَ: إِنَّهُ شَجَّ وَجْهَهُ شَجَّا “أي: أصابه بقطع في وجه” لَمْ يَزَلْ فِي وَجْهِهِ إِلَى أَنْ مَاتَ. ثُمَّ أَشَارَتْ قُرَيْشٌ عَلَى عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى الْحِجَازِ فَإِنَّ بِهَا عَرَّافَةً لَهَا تَابِعٌ، فَيَسْأَلُهَا عَنْ ذَلِكَ”.

وقد جعله هذا الأمر أمام خيارين: إما أن تأمره العرافة بذبحه فيذبحه، وإما أن يجد عندها مخرجًا لينجو ولده من ذلك ويصدق في نذره أيضًا، لذا انطلقوا إليها، فكانت العرافة هي سَجَاج، يقول: “فَرَكِبُوا حَتَّى جَاءُوهَا فَسَأَلُوهَا وَقَصَّ عَلَيْهَا عَبْدُ الْمُطَّلِبِ خَبَرَهُ وَخَبَرَ ابْنِهِ، فَقَالَتْ لَهُمُ: ارْجِعُوا عَنِّي الْيَوْمَ حَتَّى يَأْتِيَنِي تَابِعِي فَأَسْأَلُهُ. فَرَجَعُوا مِنْ عِنْدِهَا، فَلَمَّا خَرَجُوا قَامَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يَدْعُو اللَّهَ، ثُمَّ غَدَوْا عَلَيْهَا “أي: في اليوم الثاني”، فَقَالَتْ لَهُمْ قَدْ جَاءَنِي الْخَبَرُ، كَمِ الدِّيَةُ فِيكُمْ؟ قَالُوا: عَشْرٌ مِنَ الْإِبِلِ. فقَالَتْ: فَارْجِعُوا إِلَى بِلَادِكُمْ ثُمَّ قَرِّبُوا صَاحِبَكُمْ وَقَرِّبُوا عَشْرًا مِنَ الْإِبِلِ. ثُمَّ اضْرِبُوا عَلَيْهَا وَعَلَيْهِ بِالْقِدَاحِ فَإِنْ خَرَجَتْ عَلَى صَاحِبِكُمْ فَزِيدُوا مِنَ الْإِبِلِ حَتَّى يَرْضَى رَبُّكُمْ، وَإِنْ خَرَجَتْ علَى الْإِبِلِ فَانْحَرُوهَا عَنْهُ فَقَدْ رَضِيَ رَبُّكُمْ وَنَجَا صَاحِبُكُمْ”.

فَخَرَجُوا حَتَّى قَدِمُوا مَكَّةَ، فَلَمَّا أَجْمَعُوا عَلَى ذَلِكَ الْأَمْرِ قَامَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يَدْعُو اللَّهَ، ثُمَّ قَرَّبُوا عَبْدَ اللَّهِ وَعَشْرًا مِنَ الْإِبِلِ، ثُمَّ ضَرَبُوا، فَخَرَجَ الْقِدْحُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ، فَزَادُوا عَشْرًا ثُمَّ ضَرَبُوا، فَخَرَجَ الْقِدْحُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ، فَزَادُوا عَشْرًا فَلم يزَالُوا يزِيدُونَ عَشْرًا وَيَخْرُجُ الْقِدْحُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ حَتَّى بَلَغَتِ الْإِبِلُ مِائَةً، ثُمَّ ضَرَبُوا فَخَرَجَ الْقِدْحُ على الإبل، فَقَالَتْ عِنْدَ ذَلِكَ قُرَيْشٌ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَهُوَ قَائِمٌ عِنْدَ هُبَلَ يَدْعُو اللَّهَ: قَدِ انْتَهَى رضى رَبك يَا عبد الْمطلب. فَعندهَا زَعَمُوا أَنَّهُ قَالَ: لَا حَتَّى أَضْرِبَ عَلَيْهَا بِالْقِدَاحِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. فَضَرَبُوا ثَلَاثًا وَيَقَعُ الْقِدْحُ فِيهَا عَلَى الْإِبِلِ، فَنُحِرَتْ ثُمَّ تُرِكَتْ”. وهكذا نجا الله تعالى عبد الله بن عبد المطلب من الموت، ليتزوج بعد ذلك وينجب أطهر خلق الله، إنه محمد صلى الله عليه وسلم.

 

المرجع:

البداية والنهاية، ابن كثير، ج1.