قصة هروب جبلة بن الأيهم من المدينة إلى هرقل

ID 178843618 © Sonyasgar | Dreamstime.com

لهروب جبلة بن الأيهم قصةٌ طويلةٌ تبدأ تفاصيلها من أن جبلة كان رجلاً شريفًا في قومه وسيدًا نبيلاً، لكنه أراد أن يدخل الإسلام فقدم إلى الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فأسلم وحسن إسلامه، ثم عاش في المدينة فلما كان الحج ذهب إلى مكة، وهناك تعرض لموقف أخرجه عن طوره، ألا وهو أن رجلاً من فزارة داس على مؤخرة ردائه في أثناء تأدية المناسك، فقام بلطم الرجل قائلاً له وقد أخذت العزة: ألا تعلم من أنا حتى تدوس على ردائي. فلما انتهت المناسك شكا الرجل الفزاري إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

ويذكر لنا عبد الملك بن بدرون تكملة القصة فيقول:” فقال له عمر رضي الله عنه: دعه يقتص منك، أو ما هذا معناه، فقال لعمر: وهل استوي أنا وهو في ذلك؟ فقال له: نعم، الإسلام ساوى بينكما. فقال: أجلني إلى غد. فلما أصبح مضى إلى قيصر ملك الروم … ولما تنصر جبلة بن الأيهم ولحق بهرقل، صاحب القسطنطينية، أقطعه هرقل الأموال والضياع، وبقي ما شاء الله. ثم أن عمر رضي الله عنه بعث إلى قيصر رسولاً يدعوه إلى الإسلام أو إلى الجزية. فلما أراد الانصراف قال هرقل للرسول: ألقيت ابن عمك هذا الذي عندنا؟ “يعني جبلة” الذي أتانا راغبًا في ديننا. قال: لا! قال: فالقه ثم جئني أعطك جواب كتابك.

قال الرسول: فذهبت إلى دار جبلة فإذا عليه من القهارمة والحجاب والبهجة وكثرة الجمع مثل ما على باب هرقل فلم أزل أتلطف بالإذن حتى أذن لي فدخلت عليه، فرأيته أصهب اللحية ذا سبال، وكان عهدي به أسود اللحية والرأس، فأنكرته، فإذا هو قد دعا بسحالة الذهب، فذرها على لحيته حتى أصهبت، وهو قاعد على سرير من قوارير على قوائمه أربعة أسود من ذهب. فلما عرفني رفعني معه على السرير، فجعل يسألني عن المسلمين، فذكرت له خيرًا وقلت له: قد أضعفوا أضعافًا على ما تعرف، فقال: وكيف عمر بن الخطاب؟ قلت: بخير، قال: فرأيت الغم في وجهه لما ذكرت له سلامة عمر. ثم انحدرت عن السرير فقال: لم تأبَ الكرامة التي أكرمناك بها؟ فقلت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن هذا. فقال: نعم! نهى صلى الله عليه وسلم ولكن نقّ قلبك ولا تبال على ما قعدت”.

وتتواصل القصة فيقول الرسول: “فلما سمعته يقول ما قاله صلى الله عليه وسلم، طمعت فيه فقلت له: ويحك يا جبلة، ألا تسلم، وقد عرفت الإسلام وفضله؟ فقال: أبعد ما كان مني؟ قلت: نعم، قد فعل رجل من فزارة أكثر مما فعلت، ارتد عن الإسلام وضرب وجوه المسلمين بالسيف ثم رجع إلى الإسلام وقبل منه وخلفته بالمدينة مسلمًا. فقال: ذرني من هذا إن كنت تضمن لي أن يزوجني عمر ابنته ويوليني الأمر من بعده رجعت إلى الإسلام. فضمنت له التزويج ولم أضمن له تولية الأمر”.

والغريب أن جبلة بن الأيهم رغم أنه كان قريبًا من العودة مع الرسول، فإن نفسه دفعته إلى طلب شيء لا يقدر عليه رسول الخليفة، ألا وهو طلب الخلافة بعد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ولو كان تمعن في الأمر لعاد مع الرسول إلى المدينة فجدد إسلامه من جديد، ولكن كانت مشيئة الله أن يظل في بهرجته هناك. ومما يروى أنه حينما أحس بالندم على ارتداده قال أبياتًا غاية في الدقة والجمال، وهي معبرة عن حالته، وتلخص قصة هربه من المدينة إلى القسطنطينية حيث هرقل. يقول فيها:

“تنصرت الأشراف من أجل لطمة… وما كان فيها لو صبرت لها ضرر

تكنفني منها لجاج ونخوة … فبعت بها العين الصحيحة بالعور

فيا ليت أمي لم تلدني وليتني … رجعت إلى الأمر الذي قاله عمر

ويا ليتني أرعى المخاض بقفرة … وكنت أسيرًا في ربيعة أو مضر

ويا ليت لي بالشام أدنى معيشة … أجالس قومي ذاهب السمع والبصر”.

هل لديك استفسار؟

تواصل معنا!