خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

قصة يزيد بن الحكم الثقفي مع الحجاج

ID 131576745 © Hans Geel | Dreamstime.com

كانت للحجاج بن يوسف الثقفي مواقف خاصة به، وكانت فطنته أحيانًا ومكره يظهران في بعض المواقف، وهو في كل ذلك سريع الغضب شديد الحرص على قطع أعناق المخالفين وزجرهم، وهو لا يقبل من يتطاول عليه أو يشعر أن به تميزًا ليس فيه، ومن ذلك ما نجده في قصة تولية يزيد بن الحكم الثقفي، وهي قصة طريفة لأنه ظل يدفعه ليخرج ما لديه من إمكانيات شعرية، ثم كتب له العهد بولية فارس، ثم لما أحس غيظًا داخليًا مما قاله يزيد أرسل خلفه خادمه ليفعل شيئًا أكثر عجبًا مما يظن أي أحد. فلنتعرف على فصول القصة.

وتعبر تلك القصة عن غيرة الحجاج وأنه لا يقبل من يتفوق عليه أو يشعر أن فيه شيئًا ليس موجودًا في نفسه. وتحكي القصة أن يزيدًا بن الحكم الثقفي جاء من الطائف ودخل على الحجاج بالعراق وكان شريفًا شاعرًا فولّاه فارس، فلما جاء لأخذ عهده قال له: يا يزيد أنشدنا من شعرك فأنشأ يقول من الوافر:

ومن يك سائلا عني فأني … أنا ابن الصيد من سلفي ثقيف

وفي وسط البطاح محل بيتي … محل الليث من وسط الغريف

وفي كعب ومن كالحي كعب … حللت ذؤابة المجد المنيف

هويت فخارها غورا ونجدا … وذلك منتهى شرف الشريف

نماني كل أصيد لا ضعيف … لحمل المعضلات ولا عنيف

فوجم الحجاج من وقع الأبيات عليه، وأطرق ساعة ثم رفع رأسه فقال: “الحمد لله أحمده وأشكره إذ لم يأت زمان إلا وفينا أشعر العرب، ثم قال: أنشدنا يا يزيد، فأنشد يفتخر بنسبه وبأبيه:

وأبي الذي فتح البلاد بسيفه … فأذلهّا لبني الزمان الغابرة

وأبي الذي سلب ابن كسرى راية … في الملك تخفق كالعقاب الطائر

وإذا فخرت فخرت غير مكذب … فخرًا أدقّ يه فخار الفاخر

وهنا قام الحجاج غاضبًا ودخل القصر وانصرف يزيد والعهد في يده، فقال الحجاج لخادمه: اتبعه وقل له: “اردد علينا عهدنا”، فإذا أخذته فقل له: “أورثك أبوك مثل هذا؟”، ففعل الخادم وأبلغه الرسالة، فردّ عليه العهد وقال: قل للحجاج: أورثني أبي مجده وفعاله، وأورثك أبوك أعنزا بالطائف ترعاها. ثم سار تحت جنح الظلام فلحق بسليمان وهو وليّ العهد فضمهّ إليه وجعله في خاصته فقال يمدح سليمان، والأبيات من البسيط:

أن تمش عني الغواني وهي معرضة … فقد تراهن صورا نحونا صيدا

وأن تكن قد ذهلنا عن مواعدها … فقد يكون لنا ميعادها عيدا

قد نلتقي كلنا لاه بصاحبه … ولا نخاف من العذّال تفنيدا

قل للشباب إذا ما الشيب اطرده … لا تبعدّن طريد الشيب مطرودا

من صاحب الشيب قالاه وجرّ له … للأيد صفعا وللرجلين تقييدا

يا أرفض الناس للدنيا ولذتها … أشدهم زهدا فيها وتزهيدا”.

إلى آخر الأبيات، وقد دلت تلك القصة على غيرة الحجاج وأنه لم يقبل أن يفخر رجل بنفسه كل هذا الفخر، ولما كان قد كتب له العهد بالولاية، فإنه لم يكن قادرًا على أخذه منه وهو في مجلسه، فيعمل ذلك جلساؤه، ولذا انتظر خروجه وأمر خادمه بفعل ذلك، وقد كان تصرف يزيد جيدًا، لأنه علم أن الحجاج لن يتركه في حال سبيله، لذا ذهب أكثر أعداء الحجاج قوة وبأسًا، إنه ولي العهد سليمان بن عبد الملك الذي كان على خلاف دائم مع الحجاج.

ومثل ذلك الموقف مواقف عديدة في حياة الحجاج فمما يروى عن نافع بن أبي نعيم أنه قال: “قال الحجاج بن يوسف لنافع بن جبير: اضرب عنق هذا لرجل كان بين يديه. فقال: أن يدي طبقة. قال: فاخرج عنا، فخرج فاتبعه رسول بمائتي دينار فقال: يقول لك الأمير استعن بهذا في سفرك. قال الأصمعي يقال: يد طَبقِةٌ وطبقه: إذا كانت لاصقة بالجيب لا تبطش”. ويبدو من هذا الموقف أن الحجاج أحس الندم لما وجد الرجل لا يميل إلى البطش، أو أنه استعظم أمره في أن يجرؤ على مخالفته بالحسنى فمنحه بعض التكريم الخفي.