خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

قصص عن شيم الوفاء عند النساء

ID 158417752 © Tero Vesalainen | Dreamstime.com

يعد الوفاء شيمة من الشيم الرائعة التي إذا تحلت بها المرأة أو الرجل، فإنها تعود عليهما بالخير، وفي مراحل التاريخ المختلفة هناك نماذج جيدة لنساء مخلصات وفيات، كان لديهن شيم الوفاء، فظللن بها حتى بعد موت أزواجهن أو غيابهن، وربما قضين العمر حزنًا على أزواجهن أو على بعض أقربائهن. ونقف هنا على بعض من قصص النساء اللاتي حظين بذاك الخلق وتلك السمة.

والقصة الأولى التي معنا يرويها الأصمعي عن رجلٍ من بني ضبّة، إذ يقول: “ضلّت لي إبلٌ فخرجت في طلبها حتّى أتيت بلاد بني سليم، فلمّا كنت في بعض تخومها، إذا جاريةٌ غشى بصري إشراق وجهها، فقالت: ما بغيتك فإنّي أراك مهموماً؟ قلت: إبلٌ ضلّت لي، فأنا في طلبها. قالت: فتحب أن أرشدك إلى من هي عنده؟ قلت: نعم. قالت: الذي أعطاكهنّ هو الذي أخذهنّ فإن شاء ردّهنّ، فاسأله من طريق اليقين لا من طريق الاختيار. فأعجبني ما رأيت من جمالها وحسن منطقها، فقلت لها: هل لك من بعلٍ؟ قالت: كان والله فدعي فأجاب إلى ما منه خلق، ونعم البعل كان. قلت لها: فهل لك في بعلٍ لا تذمّ خلائقه، ولا تخشى بوائقه؟ فأطرقت ساعةً ثمّ رفعت رأسها وعيناها تذرفان دموعًا فأنشأت تقول:

كنّا كغصنين من بانٍ غذاؤهما … ماء الجداول في روضات جنّات

فاجتثّ صاحبها من جنب صاحبه … دهرٌ يكرّ بفرحاتٍ وترحات

وكان عاهدني إن خانني زمنٌ … أن لا يضاجع أنثى بعد موتات

وكنت عاهدته أيضًا، فعاجله … ريب المنون قريبًا مذ سنينات

فاصرف عتابك عمّن ليس يصرفه … عن الوفاء له خلب التّحيّات

قال: فانصرفت وتركتها”. (أخبار النساء)، والمغزى من القصة أن الزوجة قد عاهدت زوجها بألا تتزوج بعد موته وفاءً لعشرته، وقد وفت لقسمه وهو حي بألا يعاشر امرأة غيرها، فدل ذلك على وفائها وكان بإمكانها أن تتزوج.

ويروي الأصمعي قصة أخرى عن شيمة الوفاء عند النساء فيقول: “قال لي الرّشيد: امض إلى بادية البصرة فخذ من تحف كلامهم وطرف حديثهم. فانحدرت، فنزلت على صديقٍ لي بالبصرة، ثمّ بكّرت أنا وهو على المقابر، فلمّا صرت إليها إذا بجاريةٍ نادى إلينا ريح عطرها قبل الدّنوّ منها، عليها ثيابٌ مصبغاتٌ وحلى، وهي تبكي أحرّ بكاء. فقلت: يا جارية ما شأنك؟ فأنشأت تقول:

“فإن تسألاني فيم حزني؟ فإنّني … رهينة هذا القبر يا فتيان.

أهابك إجلالاً، وإن كنت في الثّرى … مخافة يومٍ أن يسؤك مكاني

وإنّي لأستحييك، والتّرب بيننا … كما كنت أستحييك حين تراني”.

فقلنا لها ما رأينا أكثر من التّفاوت بين زيّك وحزنك فأخبري بشأنك؟ فأنشدت تقول:

“يا صحب القبر، يا من كان يؤنسني … حيًّا، ويكثر في الدّنيا مواساتي،

أزور قبرك في حليٍّ وفي حللٍ … كأنّني لست من أهل المصيبات؛

فمن رآني، رأى عبرىً مفجعةً … مشهورة الزّيّ تبكي بين أمواتي”.

فقلنا لها وما الرّجل منك: قالت: بعلي، وكان يجب أن يراني في مثل هذا الزّيّ، فآليتُ على نفسي أن لا أغشى قبره إلاّ في مثل هذا الزّيّ لأنّه كان يحبّه أيّام حياته، وأنكرتماه أنتما عليّ. قال الأصمعي: فسألتها عن خبرها ومنزلها. وأتيت الرّشيد فحدّثته بما سمعت ورأيت، فقال: لا بدّ أن ترجع حتّى تخطبها إليّ من وليّها، وتحملها إليّ، ولا يكون من ذلك بد. ووجّه معي خادمًا ومالاً كثيرًا. فرجعت إلى قومها فأخبرتهم الخبر، فأجابوا وزوّجوها من أمير المؤمنين وحملوها معنا وهي لا تعلم. فلمّا صرنا إلى المدائن نما إليها الخبر، فشهقت شهقةً فماتت، فدفنّاها هنالك. وسرت إلى الرّشيد فأخبرته الخبر، فما ذكرها وقتًا من الأوقات إلا بكى أسفًا عليها”. (أخبار النساء)

ولم تستطع المرأة المحبة لزوجها والوفية له حيًا وميتًا أن ترضى بزوج آخر حتى لو كان أمير المؤمنين، لذا ما كان منها إلا أن ماتت من أثر وقع الخبر على مسامعها، ومثل تلك القصص الدالة على وفاء النساء كثير سواء قديمًا وحديثًا.