خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

قطار البطالة المُرعب: المشكلة ومحاولة الحل

ID 179817442 © Graphixchon | Dreamstime.com

تعد مشكلة البطالة من أكثر المشاكل إزعاجًا للمجتمعات الإنسانية، فهي عامل معطل لسبل التنمية، ولا يقف أثرها على الفرد وحده، بل إنها تشمل المجتمع بأسره، ونتائجها السلبية خطيرة للغاية، ولذا فإنه من المهم أن نعي حجمها ونتداركها ونجد لها العلاج المناسب. ويعد كل إنسان قادر على العمل وراغب فيه وساعٍ إليه بشتى السبل وباحث عنه ومتقبل لأجره دون أن يجد عملاً، واقعًا تحت طائلة البطالة ويمثل أحد أفرادها. وتنقسم البطالة إلى نوعين رئيسين؛ البطالة الإجبارية، والبطالة المقنّعة.

وللبطالة عدة آثار سلبية للغاية سواء اجتماعية أو نفسية أو اقتصادية أو سياسية، فهي تؤثر على المجتمع والفرد في آن معًا. ومن آثارها الاجتماعية: ارتفاع معدل الجريمة، إذ تعمل البطالة على تهيئة المناخ لوقوع الجرام والانحرافات، ويربط العلماء في مجال الاقتصاد بين الكساد والبطالة والفقر، وبين الجرائم وانتشارها، وتشير بعض الدراسات ذات الصلة أن نسبة 25% من الأطفال في المناطق الأكثر فقرًا يميلون إلى الجريمة، في حين أن نسبة هؤلاء لا تتخطى 1% في المناطق الغنية. وهناك من الدراسات ما تبين أن نسبة 69% من جرائم العاطلين، كان السبب فيها الحاجة الشديدة إلى المال.

تتسبب البطالة في آثار سلبية أخرى مثل التفكك الأسري، فالوقت الضائع والفراغ يصيبان نفس العاطل ويجعلانه لا يرى شيئًا أمامه، فيكون ميالاً إلى العنف سواء مع الأبناء أو الزوجة أو المقربين، وعادة ما تحدث خلافات شتى، وتصبح الأسرة في مهب الريح، ويأتي الطلاق ليؤكد التفكك وضياع الشمل. ومن آثار البطالة الاجتماعية كذلك عمالة الأطفال، بما يؤدي إلى تسرّب عدد كبير منهم من التعليم، ويتجه الأطفال إلى سوق العمل في وقت مبكر من حياتهم لسد احتياجات الأسرة التي لا ترى التعليم يفيدها وهم على تلك الحال.

وهناك آثار نفسية للبطالة أيضًا، حيث تؤثر البطالة على الأخلاق وانحرافات النفس والاضطراب النفسي نتيجة الفراغ الذي يجده العاطل. وكذلك انتشار السرقات بسبب العجز عن تلبية الحاجات، إضافة إلى التدخين وتعاطي المخدرات، وانتشار النصب والطرق غير المشروعة في الكسب، وتفشي الرشوة بين الناس، مع وجود الغش والتزوير. أما كُبرى المشاكل النفسية للبطالة فتتمثل في الإلحاد، وهو طامة كبرى وداهية عظمى في أيامنا، فحالة الفراغ مع العوز والفقر قد تدفع العقل إلى الجنوح إلى تلك الأفكار بسهولة، لأن دعاته يقولون للناس أن سبب الفقر هو التمسك بالدين.

وهناك آثار اقتصادية للبطالة، تتمثل في انخفاض حجم الإنتاج القومي، وانتشار ظاهرة التكدس في الأعمال والوظائف، مع عمل الشباب في أعمال هامشية غير ذات جدوى، إضافة إلى زيادة أثر التضخم والركود. ويضاف لما سبق مجموعة من الآثار السياسية، مثل: ضعف الانتماء للبيئة والوطن، وظهور التطرف والعنف، وضعف المشاركة في العملية السياسية.

لذا كان لا بد من البحث عن حلول ناجعة لتلك الظاهرة المتنامية في عالمنا الإسلامي والعربي، ولقد واجه الإسلام تلك الظاهرة وأوجد حلولاً لها عبر عدة وسائل، ألا وهي: الدعوة إلى العمل وإبراز فضله، فقد حث الإسلام إلى العمل وقاوم البطالة والكسل، وجعل ذلك مسلكًا للمسلم، وصحح مفهوم التوكل على الله بدلاً من التواكل، ووجه بالأخذ بالأسباب، قال تعالى: “هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ”. (سورة الملك: 15)، وقد قرن الله بين العمل والجهاد في سبيله، فقال سبحانه: “وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ”. (سورة المزمل: 20)

يمكن السيطرة على البطالة من خلال المحافظة على المال العام واستثماره وتنميته بما يكفل فرص العمل للشباب، ويمكن العودة إلى ما دعانا إليه الفقه الإسلامي من أمر “المضاربة”، مع التوسع في إنشاء المشروعات سواء الصغيرة أو الحرفية، كما لا بد من الإفادة من أموال الزكاة في تلبية احتياجات من لا يجدون كسبًا ولا عملاً.