خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

قطار الحياة المدنيّة المرعب

Photo by Danilo Ugaddan from Pexels

تميزت حياة الناس في الأجيال الماضية من أسلافنا، بأنها كانت حياة هادئة وبسيطة وتميل إلى التأمل سواء الذاتي أو الوجداني أو الطبيعي، مما جعلت حياتهم تمر بشكل طبيعي دون توترات كثيرة، وقد تغير الحال فيما بعد بداية الألفية الجديدة أو قبلها بعقد من الزمن، حيث غزت التكنولوجيا الحديثة العالم، وأصبحت وتيرة الحياة أكثر سرعة، ولم يعد الوقت كافيًا لإنجاز الأعمال الكثيرة الملقاة على كاهل الإنسان، لقد تحول الإنسان في نظرته من كون الطبيعة هي بؤرة الصراع، إلى أنه أصبح البؤرة المركزية للصراع، ونتج عن ذلك أنه أدخل نفسه وسط الأهوال وروض الطبيعة واستطاع مواصلة التقدم، ورغم أن ذلك كان أمرًا صحيًا في بادئ الأمر، فإنه لم يكن يدرك أن ذلك سيخلف مشاكل كثيرة تعود عليه في المستقبل القريب.

ومع توالي المشكلات الناتجة عن انطلاق قطار الحداثة والمدنية بأقصى سرعته، أصبح من المفيد للإنسان تفهم الموقف جيدًا، والنظر من حوله على العثرات التي خلفها ومحاولة علاجها في أقرب وقت ممكن. لقد أفقدتنا السرعة الوعي بأنفسنا وذواتنا، وجعلتنا ندور في محطات مترامية الأطراف بلا توقف، ورغم ما في المدنيّة من تقدم ورفعة وسرعة لوتيرة الحياة، فإن هذا كله أوجد أيضًا مجموعة من العوائق التي جعلت البعض يسمى تلك المدنية بأنها مرعبة. ونذكر هنا بعضًا من تلك الأمور المرعبة التي خلفها قطار المدنية والتقدم.

أولاً: تأثيرات التقدم والمدنيّة على الحالة الصحية للبشرية: من الواضح والجلي أن الإنسان قبل المدنيّة كان يعاني أحيانًا أمراضًا فتاكة، لكنه في المجمل كان يعيش حياة هادئة خالية من الضغوط، فلم يكن يصاب ببعض أشهر أمراض حياتنا المدنية الآن، مثل: الضغط، والسكر، والجلطات، وأمراض التنفس الناتجة عن التلوث، والسرطانات بأنواعها، وكذلك أمراض الإيذر، والأوبئة… وغيرها الكثير.

ثانيًا: تأثيرات التقدم والمدنيّة على الحالة النفسية للبشر: لقد أصبح البشر في ظل الحياة المدنية الجديدة أكثر تعقيدًا وأكثر ميلاً للتناقض والازدواجية، وأصبحت الشخصية تميل إلى مشاعر الحزن والكآبة والإحساس بالعزلة والوحشة، مما خلق عديد الأمراض النفسية الجديدة، وأصبح الطب النفسي نشطًا وحاضرًا بجانب أنواع الطب الأخرى.

ثالثًا: تأثيرات التقدم والمدنيّة على الحالة الاجتماعية للبشر: أثر قطار المدنيّة على الحالة الاجتماعية وخاصة مسألة الزواج، إذ أصبح من العادي جدًّا تأخر سنّ الزواج لدى الجنسين، لأسباب متعددة لا وقت لذكرها هنا، ونتج لون جديد من التباعد الاجتماعي والعزلة واتخاذ الخصوصية في الحياة، بما بات يشكل خطرًا على التماسك الاجتماعي ووحدة الأسرة والمجتمع، وانشغل الناس بأشكال التواصل والأجهزة الحديثة بدلاً من انشغالهم بالتقارب الاجتماعي ومناقشة القضايا الملحة.

رابعًا: تأثيرات التقدم والمدنيّة على البيئة والجو المحيط: انتشرت الملوثات الخطرة نتيجة المشروعات الضخمة وانبعاث الغازات من المحركات والمصانع، وانتشر التصحر في كل مكان، وتم استنزاف الموارد البيئية بكثرة مما هيّأ الفرصة لمعاناة الأجيال القادمة، كما انتشرت الفيروسات القاتلة والخطيرة، إضافة إلى زيادة التغيرات البيئية مما أدى إلى زيادة درجات الحرارة واتساع ثقب الأوزون، واندثار بعض الكائنات الحية.

خامسًا: تأثيرات التقدم والمدنيّة على العادات والتقاليد: أثرت السرعة والازدحام والتكدس السكاني في عادات الشعوب والسكان حول العالم، وأصبح التواصل الذي كان يتم بشكل مباشر وبصورة منتظمة، نوعًا من الرسائل الجوفاء عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وتباعدت المسافات رغم قربها، واكتسب الناس عادات اجتماعية وسلوكية جديدة لا تتوافق مع أمصارهم التي يحيون بها، مما جعل هناك تباينات وسمات جديدة تبرز في المجتمعات لا تتلاقى مع طبيعتها.

سادسًا: تأثيرات التقدم والمدنيّة الاقتصادية: كان من نتائج التقدم والحداثة أن زاد الإلحاح على المادة والمال والثروة، وتحول المجتمع في البداية إلى مجتمع إقطاعي تهيمن عليه الماديات، ثم إلى اشتراكي يعتمد توزيع الثروات، ثم ترسخت الأصول الرسمالية بعد ذلك، بما خلق فجوة في العمل والكسب، فازداد الغني غنى وازداد الفقير فقرًا، وأصبحت الحياة أكثر صعوبة، وتزايدت المتطلبات، وكثرة البضائع، وأصيب العالم بتخمة اقتصادية كبيرة.

 لا يمكن وصف المدنيّة بأنها شر مطلق، ولكن ما أردنا قوله هنا أن هناك وجهًا آخر للتقدم يجب أن نلتف إليه لنتلافى عيوبه ومشاكله.