خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

قطوف من الحياة الزوجية للصحابة

ID 90916120 © Gholib Marsudi | Dreamstime.com

خلق الله الإنسان وكرمه على سائر خلقه، وجعل فيه ميلاً، بحيث تميل المرأة للرجل، ويميل الرجل للمرأة، وهذا ما جعل الناس يتزاوجون، وخلق انسجامًا واتزانًا بين الطرفين. والحياة الزوجية تقوم في أساسها على التسامح والتقارب والتفاهم، أما إذا حدث تعنت وانقسام واشتدت فيها النزاعات، فإنها تتحول إلى حياة مقلقة وكئيبة، وتكون مدعاة للفرقة والتشتت. وفي تاريخنا الطويل نماذج خالدة من التعامل الراقي بين الأزواج، ونخص بالذكر الحياة الزوجية للصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، فقد كانت له مع أزواجهم مواقف مؤثرة تدعو للتأمل وأخذ العبرة والمثل. وسنحاول هنا التركيز على بعض تلك المواقف للإفادة منها.

الموقف الأول: أبو الدرداء مع زوجه: وكان هذا الموقف في بداية إسلام أبي الدرداء، حيث كان مشتغلاً بالعبادة والطاعة عن أهله، فجاء الصحابي الجليل سلمان الفارسي ونبهه إلى ذلك الأمر، لكي يعلم أن لكل شيء حق معلوم. وهذا ما يذكره لنا البخاري عن أبي جُحيفة، قال: “آخى النبيُّ صلى الله عليه وسلم بين سلمان وأبي الدرداء، فزار سلمانُ أبا الدرداء، فرأى أمَّ الدرداء متبذلة، ” أي في لباس العمل” فقال لها: ما شأنكِ؟ قالتْ: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجةٌ في الدنيا. فجاء “أي سلمانُ” أبا الدرداء، فصنعَ له طعامًا، فقال: كُلْ فإني صائمٌ، قال “سلمان”: ما أنا بآكلٍ حتى تأكلَ، فأكلَ. فلما كان الليلُ ذهب أبو الدرداء يقومُ، فقال سلمان: نَمْ، فنامَ، ثم ذهبَ يقومُ، فقال: نَمْ، فلما كان آخرُ الليل قال سلمانُ: قُمْ الآن، قال: فصلَّيا. فقال سلمانُ: إنَّ لربِّك عليك حقًّا، ولنفسِك عليك حقًّا، ولأهلِك عليك حقًّا، فأعطِ كلَّ ذي حقٍّ حقَّه. فأتى أبو الدرداء النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فذكرَ ذلكَ له، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: صدقَ سلمانُ”. (رواه البخاري)

ويعطيني هذا الموقف حكمة بالغة، إذ إن الرسول انتصر لحقوق الزوجة لما عُرض عليه الأمر، كما أنه أيد سلمان فيما قام به، إضافة إلى توضيح أن العبرة ليست بكثرة العمل، ولكنها بإحاطة الأمور ومراعة الحقوق المطلوبة والواجبة.

الموقف الثاني: مساواة معاذ بن جبل رضي الله عنه: إذا كان له زوجتان، وكان يعاملهما بمعيار دقيق للغاية، حتى إذا كان يوم إحداهن لم يتوضأ عن الأخرى حافظًا على حق الثانية، ويروي لنا ابن أبي الدنيا عن يحيى بن سعيد شيئًا أعجب من ذلك فيقول: “فماتتا في طاعونٍ أصابهم في يومٍ واحدٍ، فقدَّمَهما إلى الحُفرة، ثم أقرعَ بينهما أيهما يُدْخِلُ الحفرة قبل الأخرى، ثم حفرَ ودفنَهُما جميعًا في حفرةٍ واحدةٍ”. (كتاب العيال 2 /703)، ولا شك أن ذلك من أعجب المواقف الدالة على المساواة بين الضُرّتين، حتى وصل الأمر في تحقيق العدالة إلى الدفن والتقديم فيه.

الموقف الثالث: علي بن أبي طالب يشتري لحمًا بنصف درهم: كان لعلى بن أبي طالب رضي الله عنه امرأتان، وذلك بعد وفاة السيدة فاطمة رضي الله عنها: “فإذا كان يومُ هذه اشترى لحمًا بنصفِ درهمٍ، وإذا كان يومُ هذه اشترى لحمًا بنصفِ درهمٍ”. (كتاب العيال 2 /702)

وقد دل هذا الموقف وغيره على المساواة في تعامل الرجل مع المرأة واحترامها وتقديرها، ومن ناحية ثانية تحقيق العدالة وإعطائها حقها كاملاً غير منقوص، وذلك في: النفقة، وفي الجماع، وفي القيام بالأعباء والأعمال، وفي منحها الوقت اللازم لها. إضافة إلى المساواة بينها وبين غيرها إن كان الرجل يجمع بين أكثر من زوجة.

إن الإسلام بذلك قد علم الصحابة كيف يتعاملون مع أزواجهم فيحدث الانسجام والتوافق، فهل يمكننا اليوم العودة لتلك النماذج المضيئة والاسترشاد بها، والعمل بمقتضى ما فعلته، لكي نسعد في الدارين وتحيا بيوتنا في أمن وسعادة واستقرار.