رأي 2020-مايو-11

قوة الشباب: الطاقة المهدرة

صورة ملف شخصي
علاء حمدي
كاتب عمود

تعاني مجتمعاتنا الإسلامية اليوم من شيء خطير للغاية، ألا وهو: قوة الشباب المهدرة، في حين أن الشباب هم سواعد الأمة وعوامل بنائها، فإنهم في أغلب المناطق لا يتم توظيفهم بالصورة المثلى التي تساعدهم على الابتكار والإبداع وإخراج ما لديهم من مخزون مادي أو معنوي، ويعد ذلك الطريق معولاً من معاول هدم الأمة وضياع قدراتها، وإحساسها بالشيخوخة مبكرًا.

في أوروبا مثلاً يتم إعطاء الشباب فرصة الإنتاج والعطاء مبكرًا، فيمكن من خلال ذلك أن يصل الشباب إلى مراتب عليا في الدولة والأعمال والشركات رغم أنهم مازالوا في سن صغيرة، وهذا للأسف ينقص مجتمعاتنا العربية والإسلامية، فلدينا ملايين من الشباب العاطلين الذين تتفجر سواعدهم بالعمل والإنجاز، ولكنهم لا يجدون فرصة يخدمون أنفسهم ومجتمعاتهم من خلالها، إن هذا الوضع يساهم في خلق نوع من التبلد والقلق داخل المجتمع، ويعمل على خلخلة النظام الاجتماعي.

هناك بعض المجتمعات الساعية إلى التقدم تجعل الشباب عماد قوامها الأساسي في العمل والإنتاج، وأبرز مثال على ذلك في الصين، فحين سئل الرئيس الصيني ذات يوم عن الكثافة السكانية العالية قال: لدي ميار ونصف إنسان، ولكن في المقال لدي 3 مليارات يد عاملة منتجة، فلما الخوف. هكذا تم فهم الأمر في الصين وغيرها من البلاد الأخرى، ليست المسألة بكثرة العدد ولكن بحسن التوظيف وإخراج أكبر كمية ممكنة من الإنتاج واستخراج الطاقة الشبابية في العمل والإنتاج والارتقاء بالمجتمعات.

مَن ينظر إلى شبابنا اليوم يجد أنهم خاملون لا يفعلون شيئًا ونسبة من يعملون فيهم لا تتجاوز في بعض المناطق نسبة 20%، فأين النسبة الأكبر 80% ، للأسف إما أنهم يكونون عالة على أسرهم، أو يتجهون إلى مراتع اللعب واللهو ومظاهر الفتنة والفساد، وجزء كبير منهم لا يقدم شيئًا لنفسه أو لغيره، ويبقى ساكنًا إلا أن يجد نفسه قد شارف على الخمسين وبدأ في الذبول، وهنا يبدأ في ذكر مسببات الفشل، وتلك الأمور التي جعلته بلا زوجة أو عمل. إن قوة الشباب يجب أن تستغل مبكرًا فلا يصلون إلى ما وصلوا إليه الآن.

ما الأسباب التي تجعل شبابنا يصل إلى هذا الطريق المظلم، هناك بلا شك مجموعة من الأسباب الواجب علاجها: أولاً، انعدام الرؤية المجتمعية للشباب، فيصبح المجتمع مغيبًا عن الإحساس بهذه الطاقة، ويستشري ذلك في المجتمعات التي تعتمد على العناصر الأكبر سنًّا ولا تثق في جيل الشباب. وثانيًا، عدم توجيه التعليم بصورة هادفة تحفز الشباب على العمل، وتدعمهم علميًا بشكل يتوافق مع سوق العمل، وتلك مشكلة كبيرة للغاية، إذ يتخرج الشباب وهم لم يتعلموا شيئًا يدخلهم سوق العمل. وثالثًا، انعدام دور الأسرة والتوجيه، فيصبح الشباب مستهترًا قابعًا تحت نظام الصداقات والشلة ويرفض الاندماج في المجتمع، ويعتمد على الجلوس مع الأصحاب وتضييع الوقت بعيدًا عن البيت، فتحدث فجوة اجتماعية بين الأسرة وأبنائها، ويصبح البيت فندقًا للشاب الذي لا يريد سوى النوم والأكل.

إن الطاقة الشبابية لو تم استخدامها بشكل صائب في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، لأصبح لأمتنا شأن عظيم، فهم القوة البشرية التي لا يجب أن يستهان بها على الإطلاق، وقد رأينا شبابًا يسافر خارج الديار فيجد نفسه في بيئة عمل آمنة ومحفزة، فينتج ويبدع ويصل إلى ما لم يستطعه في بلده. وهناك تظهر المفارقة العجيبة: هؤلاء الشباب يمكنهم أن يكونوا منتجين ومبدعين في بيئات أخرى، ولكنهم خاملون في وطنهم، لأنه ببساطة المشكلة ليست فيهم، بل في عدم استغلالهم بالشكل المطلوب.

لا يمكن لأمتنا أن تتقدم ما لم يوجّه الشباب إلى العمل والإنتاج والعطاء، فهم طاقة الأمة وأملها القادم، وهم من يحملون الراية بعد آبائهم وأجدادهم، لذا يجب أن يعاد التفكير في تلك الطاقة المهدرة واستيعابها مرة أخرى وتأهيلها للعمل والإنتاج.

هل لديك استفسار؟

تواصل معنا!

مقالات ذات صلة
رأي
رأي 2020-يونيو-5
صورة ملف شخصي
علاء حمدي
كاتب عمود

كان الهدف المعلن لوسائل الإعلام الغربية، هو الترفيه والتسلية، وظل الأمر يسير في هذا الاتجاه قبل التحول الأكبر الذي شهده العالم الإعلامي من توجيه سهامه المسمومة، وتبدلت التسلية إلى نوع آخر من التدمير الفكري والثقافي للشعوب، وبدأت مرحلة دس السم في العسل في الظهور، فكيف استطاعوا القيام بذلك ونحن نيام لا ندري من أمرنا شيئًا؟

متابعة متابعة
رأي
رأي 2020-مايو-30
صورة ملف شخصي
علاء حمدي
كاتب عمود

وبخلاف ذلك التهميش هناك مجموعة من الأزمات التي تبدأ مع الشباب ابتداءً من سن المراهقة ووصولاً إلى بواكير الشباب، وأبرز تلك الأزمات مشكلة التفكك الأسري وعدم احتواء الشباب داخل بيئتهم الصغيرة، وينتج عن تلك المشكلة مجموعة من الأزمات المتلاحقة.

متابعة متابعة
رأي
رأي 2020-مايو-26
صورة ملف شخصي
علاء حمدي
كاتب عمود

يرى الكثير من المفكرين أن المغامرة مثيرة للاهتمام وجزء مهم لتحقيق النجاح، فإذا كنت تنوى أن تفتتح مشروعك وتخشى من المغامرة، فإنك إما أن تتراجع وتفشل، أو أن تكمل الأمر بالاستناد إلى الخبرة الكافية في المجال، ووقتها إما أن تنجح المغامرة أحيانًا وإما أن تفشل، لكنّ التجريب أفضل حالاً من عدمه، يمكنك أن ترى عددًا كبيرًا من المحيطين بك ممن خاضوا غمار الحياة وغامروا في كثير من أعمالهم، ومع ذلك هم أكثر الناس نجاحًا، لذا لا تنظر إلى السلبيات فقط، بل وازن بين الأمرين معًا.

متابعة متابعة
رأي
رأي 2020-مايو-22
صورة ملف شخصي
علاء حمدي
كاتب عمود

إن الاغتراب الوجداني اليوم يسيطر على فئة الشباب، ويجعلهم يحيون في عالمهم الخاص بعيدين عن محيطهم وذويهم، لا يجدون من يخفف عنهم ذلك الشعور، فينعزلون بعيدًا حيث الوحدة والعزلة والوحشة، مما يخلق جيلاً مدمرًا وهشاشًا لا يقوى على مواجهة الحياة ومصاعبها، ولا يتفاعل مع المحيط الأسري، ولا يفيد نفسه ولا غيره.

متابعة متابعة