قِصةٌ ومَثَلٌ: “أكرم من حاتم الطائي”

markus-spiske-_ibRSlM1GKY-unsplash
Markus Spiske-Unsplash

وهذا مثل مشهور ومتداول، بل ويعد من أفضل الأمثال التي تقال في الكرم وحسن الضيافة والإنفاق وبذل المعروف، لكن من هو خاتم الطائي الذي نسب هذا المثل إليه وما قصته؟ هو حاتم بن عبد الله بن سعد الطائي، من قبيلة طيء في شمال الجزيرة العربيةمنطقة حائل حاليًا، يعد شاعرًا فحلاً من شعراء الجاهلية الكبار، وله شعر كثير وجميل، تزوج من امرأة غسّانية من بلاد الشام تدعى ماوية، وقيل عن ذلك أنها تزوجته لما عرفت فيه من الكرم والعطاء، وتطلقت منه أيضًا لمحاولة كفه عن الإنفاق والكرم دون أن تستطيع. أنجب ابنين، عدي وسفّانة، وقد أدركا الإسلام فأسلما وحسُن إسلامهما، أما حاتم فإنه مات قبل الهجرة بنحو 46 سنة أي في عام 605 م.

كان حاتم في حياته كريمًا باذلاً للمعروف، حتى ضرب به الناس المثال في الكرم والعطاء والإنفاق، حيث قيلأكرم من حاتم، وله من أعمال الخير الكثير، فهو يعطي ذوي الحاجات ويقري الضيف ويعين المسكين، يجود بكل ما يملك، لا يضع اعتبارًا للغد وما يأتي فيه من عثرات، ما يهمه هو اليوم، فهو يملك وغيره لا يملك، لذا يعطي ولا يخشى الفقر أو غوائل الزمن، يعطي دون حساب أو الاعتبار بأن المال سينفد، ولذا ارتبط اسمه بالكرم. وذكر في السياق ذاته أن أم حاتم وهيعتبة بنت عفيف بن عمرو بن أخزم، كانت من الأسخياء أيضًا وتميزت بالكرم والعطاء، وقد حاول إخوتها وأهلك منعها عن ذلك حتى لا تخسر ماله كله، فلم يستطيعوا أبدًا، حتى وصل بهم الحال إلى حبسها سنة كاملة، ولكن ذلك أيضًا لم يثنها عن فعل ذلك.

وهناك الكثير من القصص التي رويت عن كرم حاتم الطائي حتى قيل عنه هذا المثل، وتداولها الناس، وانتشرت بين العرب كافة، لما فيها من عبر وعظات، فقد روي عنه قصة مع ابنته سفّانة تدل على كرمهما، حيث كانت سفّانة تنفق ولا تدخر شيئًا وكلما أعطاهما أبوها حاتم عددًا من الإبل إذا بها تنفقهم وتجود به حتى لا تُبقي شيئًا، فما كان من حاتم إلا أن قال لها: “يا سفّانة، إن القرينين إذا اجتمعا معًا في المال أتلفاه، أي يعني أنهما ينفقان معًا دون حسيب، وهذا سيؤدي لفناء المال، وقد فهمت سفانة قصده بدقة، وهنا قال لها: “عليك أن تختاري بين اثنتين، إما أن أعطي وتمسكي، أو أن أمسِكَ فتعطي“. أي أن ينفع أحدهما ويحرص الطرف الثاني على شيء من المال فيحدث شيئًا من التوازن، ولكن سفّانة ركبت رأسها، وأنكرت عليه ذلك، وقال له إنها ابنة حاتم الطائي أكرم رجال العرب، فكيف تطلب مني أن أفعل غير ذلك، ورفضت أن تمسك يدها عن أي سائل يطلب العطاء، ولذا اقترحت على والدها أن يفترقا بحيث يقيم كل منهما في ناحية بعيدًا عن الآخر، فوافق حاتم على ذلك واقتسم معها المال، وافترقا لينفق كل منهما من ناحية دون أن يسأل الآخر شيئًا.

وهذا يدل على التنافس بين الأب والابنة في الكرم والبذل والعطاء، بما جعل كلاً منهما ينفق من ناحيته دون أن يكون للطرف الآخر سلطة عليه تحد من إنفاقه وجوده. وإذا كان هذا موقف ابنة حاتم فكيف حاتم نفسه، لقد صدق فيه المثل الذي معنا، إذا يجعله مثالاً للكرم والعطاء والجود، وهو يستحق ذلك بكل تأكيد.

ويعني المثل: “أكرم من حاتم، أن هذا الشخص بما فعله من كرم وجود وعطاء، قد تخطى به كرم حاتم الطائي، أي أصبح سابقًا له في الكرم، ولما كان حاتم بهذه الحالة من الكرم، فإن تجاوزه في الكرم يعد شيئًا كبيرًا ولا يمكن بلوغه، ومن ثم قيل هذا للدلالة على كرم الشخص الموصوف بذلك.

هل لديك استفسار؟

تواصل معنا!