خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

كورونا من وجهة نظر المسلم

المصحف الشريف

يمثل فيروس كورونا (كوفيد- 19) مصدر تهديد حقيقي على حياة البشرية في الوقت الراهن، نظرًا لما يحصده من الأرواح بشكل يومي، يضاف إلى ذلك سرعة انتشاره عالميًّا، الأمر الذي جعله وبكل بساطة يشكل وباءً عالميًّا متخطيًا كل التوقعات. 

لكن السؤال الذي يطرح نفسه باستمرار: ماذا تمثل كورونا للمسلمين؟ وكيف يرونها وسط تلك المخاوف الكثيرة؟ وما وجهة نظرهم في هذا البلاء؟ لا شك أن العالم أجمع يقف اليوم مشدوهًا أمام تلك الظاهرة المتوحشة الفتاكة، لكنّ المسلم المؤمن بقضاء الله، والمستسلم لقدره وما يفعله ربه به، يجب أن يكون حذرًا وهو ينظر إلى هذا الفيروس، فلا يصيبه الهلع والتوجس والخوف الشديد، ولا تعتريه نزعة التشاؤم والإحباط والقنوت من رحمة الله.

والمسلم دائمًا ما يكون على درجة عالية من حسن الظن بالله، والثقة في فرجه ولطفه ورحمته، كما أنه يكون على يقين بأن الله سيرفع البلاء وإن طال البقاء، وسيجلب النصر وإن بعدت المسافات، فالله غالب على أمره، وقادر على شيء، يقدر لعباده الخير.

وقد أثر هذا الوباء على حياة المسلم، فابتداءً وجدنا أن العمرة قد تأجلت بشكل غير مسبوق، كما أن الصلاة سواء الجمعة أو الجماعات قد اتُخذ فيها قرار بأن تؤدى في البيوت منعًا من الازدحام والاجتماع مما يسهل من نقل العدوى، ومع ذلك فإن تلك الإجراءات الاحترازية تعد جيدة لأنها من وجهة النظر الإسلامية تعمل على درأ المفسدة، وتحافظ على النفس البشرية من الفناء، بما يعود على الفرد والمجتمع بالخير في المستقبل.

لذا فإن المسلمين نظروا إلى هذا الفيروس وفق رؤيتين؛ الأولى: ترى أنه ابتلاء وعقاب من الله لعباده، لأن الأصل في الإنسان أن يتهم نفسه بالضعف والتقصير، ومن ثَم فيجب عليه وفقا لذلك أن يحافظ على الأذكار، وأن يتضرع إلى الله العلي القدير، وأن يستغفر ويعود ويتوب إليه سبحانه حتى يرفع البلاء. والثانية: ترى أن كورونا ليس ابتلاءً أو عقابًا، بل هو مرض يجب الصبر عليه، لأن الله لم يقدر للإنسان إلا الخير، ومن ثم وجب الأخذ بالأسباب المؤدية إلى الحياة والنجاة منه.

ويجب على المسلم أن يأخذ بأسباب النجاة الموصلة إلى الحياة، لأنه مستخلف في الأرض، ويجب عليه أن يعمرها ويحسن فيها، وألا يصر على مخالفة القواعد الطبية والعلاجية، وألا يستسلم لأسباب الهلاك والفناء، فيشقى ويضعف ويذبل ثم يموت. إن روح الإسلام تحفز المرء على الحياة والنماء، وعلى المحافظة على النفس والدماء والأرواح، وليس من طبيعة الدين الإسلامي حثه على هدر الحياة وإماتة الأنفس أو التفاني، ومن ثَمّ فإن الأخذ بالأسباب يعد طريقًا موصلا إلى النجاة وإلى الدين القويم معًا في إطار متوازن (لا إفراط ولا تفريط).

إن التزام المسلم بتعليمات الجهات الصحية وإرشاداتها، يعد من الأمور الواجبة في هذا الباب، كما ينبغي الأخذ بآراء أهل العلم والتخصص لأنهم الأكثر دراية في هذا المضمار، مع التزام المسلم بعدم نشر الشائعات والإحباطات وجميع ما يعرض المجتمع للضرر، بل ويجب عليه أن ينشر الحقائق ويتمسك بروح الأمل والتفاؤل والثقة بالله واليقين في فرجه ورحمته التي وسعت كل شيء.

لا بد للمسلم أن يكون قويًا صابرًا، لا يستسلم للهلع الشديد، لأن كل شيء مقدر ومكتوب في صحيفته، رُفِعت الأقلام وجفت الصحف، لن يعيش يومًا زائدًا عن عمره، ولن ينقُص ساعة من نهار، ومن هنا وجب عليه أن يحيا بين شعورين عظيمين، ألا وهما: الخوف والرجاء، فلا يحمل الخوف ويترك الرجاء، فكلاهما متجاوران، وإذا ما نزلت الابتلاءات، فليكن من الصابرين الراضين بقضاء الله، والأخذين بأسباب النجاة والعيش، والرافضين للفناء السائرين نحوه.