خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

كيف كانت الزكاة عند الأمم السابقة؟!

ID 91400781 © Enjoys | Dreamstime.com

الزكاة فريضة عظيمة فرضها الله تعالى على عباده لتكون طعمة للفقراء والمساكين، فيحدث معالجة للفجوات والتفاوتات بين الناس، وتنسجم الأمة بكل طوائفها وتترابط، وذلك حين يشعر الفقير أنه أصبح مشاركًا لأخيه الغني فيما يملك، فتُنزع البغضاء من النفوس، وتصفو القلوب من الغل والحسد والكراهية، فيعم الخير وينعم الناس بالسلم الاجتماعي الذي أراده الله تعالى لعباده.

وتعرف الزكاة بأنها عبارة عن: “إيجاب طائفة من المال في مال مخصوص لمالكٍ مخصوص”. (الجرجاني: التعريفات، ص114)، والزكاة شرعًا هي: “اسم لما يخرج عن مال أو بدن على وجه مخصوص، سُمي بها ذلك لكونه يطهر ويصلح، وينمي ويمدح المخرج عنه، ويقيه من الآفات”. (زكريا الأنصاري: أسنى المطالب في شرح روض الطالب، ج1، ص 33)، وقد فرض الله تعالى الزكاة على جميع الأمم السابقة والرسل، وفي كتاب الله ما يؤكد هذا المعنى الجليل، وما يؤكد أن الزكاة لم تكن وليدة أو مستحدثة في شريعة الإسلام، وإنما كانت مشروعة ومفروضة على الأمم السابقة، فبعد أن ذكر الله تعالى قَصص الأنبياء عليهم السلام، فإنه تعالى ذكر بعد ذلك جملة من الأمور والعبادات التي فرضها عليهم ومنها الزكاة، يقول تعالى: “وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ”. (سورة الأنبياء: 73)

وقد جعل الله تعالى الرسل عليهم السلام أئمة يهدون بأمره، ولذا فإنه يُقتدى بهم في فعل الخير. (انظر: معالم التنزيل في تفسير القرآن، البغوي، ج3، ص297)، فكانت الصلاة أشرف العبادات التي تستلزم جهدًا بدنيًا، وحكم مشروعيتها ذكر الله تعالى، بينما كانت الزكاة هي أشرف العبادات المالية لتعظيم أمر الله تعالى، ولينفق الإنسان مما يُحب، ولذا فإن الله قد اختار رسلاً أرسلهم إلى عباده بعد أن هداهم إلى الطريق المستقيم، واختصهم وجعلهم هداة وقدوة للبشر يدعونهم إلى مراد الله تعالى، فوفقهم بفضله من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والمحافظة على العبادات الصحيحة في كل الجوانب، وقد رزقهم الله التبليغ والاقتداء بسيرتهم في أفعالهم.

ومن هؤلاء الرسل الذين أثنى الله عليهم، وفرض على قومه الزكاة، نبي الله إسماعيل عليه السلام، فقد مدحه الله تعالى على أمره لأهله بالصلاة والزكاة، فقال سبحانه: “وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا”. (سورة مريم: 55)، ويعد هذا: “من الثناء الجميل، والصفة الحميدة، والخلة السديدة؛ حيث كان مثابرًا على طاعة ربه، آمرًا بها أهله”. (تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ج5، ص212)، وقد دل ذلك على مشروعية الزكاة وأنها جزء من الدين لقوم سيدنا إسماعيل عليه السلام. ولذا فإنه من الواجب على كل مسلم أن يقتدي بنبي الله إسماعيل عليه السلام في أمره أهله وحثه لأقرب الناس إليه بأن بالصلاة والزكاة والمحافظة عليهما وعلى كل الطاعات والعبادات. والزكاة كما نعرف هي عمل اجتماعي متعلق بالمادة، ولذا فهي تتخذ شقًا اجتماعيًا وإنسانيًا، فتقوى بها الصلات ويتجانس الناس وترتفع همتهم.

ومن الرسل الذين أثنى الله تعالى عليهم لحرصهم على الزكاة، عيسى بن مريم عليه السلام، فقد مدحه الله تعالى فقال في كتابه: “وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا”. (سورة مريم: 31)، وقد دلت تلك الآية على أن: أن “الصلاة والزكاة وبر الوالدين كان واجبًا على الأمم السالفة، والقرون الخالية، فهو مما يثبت حكمه، ولم ينسخ في شريعة أمره”. (الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ج11، ص103- 104)، وهذا يعني مشروعية الزكاة على قوم عيسى عليه السلام، وهو ما يؤكد أن أمر الله تعالى لنبيه عيسى عليه السلام سواء بالصلاة أو الزكاة يعد أمرًا مستمرًا، وفريضة أمره الله القيام بها. وتلك نماذج عن الزكاة عند الأمم السابقة، تدل على كونها كانت مفروضة عليهم أيضًا.