كيف كانت بدايات التقويم الإسلامي؟

Le coeur de la Tchétchénie Mosquée, Grozny, Russie
© Leonid Andronov | Dreamstime.com

لم يكن التقويم الهجري أمرًا سهلاً كما يعتقد البعض، بل إنه جاء بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم، وهو تقويم اعتمد على البدء بهجرة النبي صلى الله عليه وسلم أصلاً له. وفي الحقيقة فإن العرب قبل الإسلام لم يكن لهم تقويم محدد يؤرخون به، فكانوا إذا وقعت واقعة كبيرة اتخذوها أساسًا لحساب الأيام بعدها، كما في حادثة الفيل وحرب البسوس وداحس والغبراء. ولقد كان المسلمون في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبي بكر الصديق رضي الله عنه، يؤرخون كل سنة باسم الحادثة التي وقعت فيها، فسميت السنة الأولى التي ابتدأت من حين مُقام النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة الإذن بالرحيل، أي من مكة إلى المدينة، والثانية سنة الأمر بالقتال، والثالثة سنة التمحيص.

أما فكرة وضع تأريخ خاص بالدولة الإسلامية فلم تكن موجودةً قبل عهد عمر رضي الله عنه، فقد اتسعت الدولة الإسلامية وكثرت المراسلات مع عمال الأمصار وتقررت قسمة الأموال، فظهرت الحاجة إلى ضبط ذلك بتحديد تأريخ ثابت يعتمده الجميع. وقد روى المؤرخون أن السبب المباشر الذي جعل عمر رضي الله عنه يجمع الصحابة ويتداول معهم الرأي والمشورة لوضع تقويم معتد للمسلمين، هو ما كتبه إليه أبو موسى الأشعري رضي الله عنه أثناء ولايته على العراق، حيث قال: “إنه تأتينا منك كُتبٌ ليس لها تاريخ“. وقيل في رواية أخرى أنه: “رُفِع إلى عمر رضي الله عنه صك كله شعبان، فقال: أيّ شعبان؟ الذي هو آتٍ أو الذي نحن فيه؟، كما روي أن يعلى بن أمية كتب من اليمن كتابًا مؤرخًا، فاستحسنه عمر. وقيل إن رجلاً قدم من اليمن فقال لعمر: “رأيت باليمن شيئًا يسمونه التأريخ، يكتبون من عام كذا وشهر كذا، فقال عمر: إن هذا لحسن“.

ومن هنا فقد جمع سيدنا عمر رضي الله عنه المهاجرين والأنصار واستشارهم في الأمر، حيث ورد أن بعضهم عرض التأريخ بتقويم الروم، وعرض الآخرون أن يؤرخوا بتأريخ الفرس، فكره ذلك عمر، وارتفعت أصوات تنادي بالتأريخ بمولد النبي، وأخرى بمبعثه، وثالثة تقول بوفاته، فلم تجد هذه الآراء قبولاً لديه، فقال عليّ بن أبي طالب  من حين خرج مهاجرًا، فوافق عمر  على ذلك، ولقد ثبت قول سهل بن سعد: “ما عدوا من مبعث النبي ولا من وفاته، ما عدوا إلا من مقدمه المدينة، ثم وقفوا عند أي شهر يبدؤون هل برجب أم برمضان، فقال عثمان: “أرّخوا من المحرم“. وقد تم ذلك في سنة 16هـ.

كان رفض عمر بن الخطاب على الأخذ بتقاويم الأمم المجاورة وكرهه أن تكون تقويمًا للمسلمين، على الرغم من أن تلك الأمم عُرفت في ذلك الزمان بتقدمها في المجالات المادية والخبرات المدنية، يؤكد وعيه العميق وإدراكه التام بوجوب تميز الأمة الإسلامية في شخصيتها عن غيرها من الأمم. إذ كانت الحاجة ماسة لأن يكون لهم تقويم يختص بهم، ولا يماثلهم فيه أحد، ويميزهم عن غيرهم، ويلاحظ أن عمر رضي الله عنه لم يستحسن ما عُرض عليه من أن يبتدئ التقويم الإسلامي بمولد النبي صلى الله عليه وسلم، ولا بمبعثه ولا بوفاته، رغم أنها أحداث عظام، ولكنه استصوب فقط حدث هجرته من مكة إلى المدينة واعتمده تقويمًا للمسلمين، فبالهجرة تبدلت حياتهم من ضعف إلى قوة، ومن ذلة إلى عزة، وقامت لهم في المدينة دولة، وصارت لهم هيبة وشوكة.

ويذكر السخاوي سبب ذلك بقوله: “واتفقوا على أن يجعلوا تاريخ دولة المسلمين من لدن هجرة النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة؛ لأن وقت الهجرة لم يختلف فيه أحد بخلاف وقت مبعثه فإنه مختلف فيه، وكذا وقت ولادته ليلةً وسنةً، أما وقت وفاته فهو وإن كان معينًا فلا يحسُن عقلاً أن يُجعل الأصل لمبدأ التاريخ“. كما أن وقت الهجرة، هو وقت استقامة ملة الإسلام وقيام الدولة وكثرة الوفود، ومن ثَمّ فهو مما يتبرك به ويعظم وقعه في النفوس والأفئدة.

هل لديك استفسار؟

تواصل معنا!