خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

لا يجمع الله على عبده خوفين معًا

ID 118120355 © Fsstock | Dreamstime.com

من كرم الله على عباده أنه لا يجمع عليهم خوفين ولا أمنين معًا، ففي الحديث القدسي الذي يرويه أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله  عليه وسلم فما يرويه عن رب العزة أنه قال: “وعزتي لا أجمع على عبدي خوفين ولا أجمع له أمنين، إذا أمنني في الدنيا أخفته يوم القيامة، وإذا خافني في الدنيا أمنته يوم القيامة” (أخرجه ابن حبان في صحيحه والبيهقي، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة).

ونخلص من الحديث السابق إلى أن الخوف فضيلة عظيمة، وهو شرط من شروط كمال إيمان العبد، فهو دافع لزجر العبد عن مزالق الشيطان ومسالكه. قال الله تعالى: “إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين” (سورة آل عمران: 175)، وقد بيّن الله سبحانه منزلة الخوف في الآخرة وقدر أهله فقال: “ولمن خاف مقام ربه جنتان” (سورة الرحمن: 46)، فهل بعد ذلك من شرف، إنها ليست جنة واحدة بل جنتين، ومن ثم كان الخوف في الدنيا نجاة في الآخرة ودليلاً على إيمان العبد وخشيته من ربه تعالى: “إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ” (سورة المؤمنون: 57)

والخوف ليس مقصودًا في ذاته، ولكنه وسيلة لشيء آخر، وهو خشية الله سبحانه وتعالى، فالخوف نوعان، خوف محمود يحول بين صاحبه وبين المعصية والشبهات والمحارم، ويحمل على أداء الفرائض ويكون باعثًا على العمل والاجتهاد والابتعاد عن كل ما يُغضب الله تعالى. وخوف مذموم يؤدي إلى اليأس والقنوط والحزن ويقعد العبد عن السعي والعمل واكتساب الفضائل والعمل الصالح.

وتكون الخشية والخوف من الله على قدر علم العبد ومعرفته وتقواه، وذلك لقوله تعالى: “إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ” (سورة غافر: 28)، وكانت من وصايا النبي صلى الله عليه وسلم الدائمة لأمته: ” لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيرًا، وما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله”. (رواه الترمذي)، ولذلك لأن الدنيا بكل ما عليها لا تساوي عند الله جناح بعوضة، ولو يعلم الإنسان ما فيها من الاختبار والابتلاء العظيم، لكان أكثر خوفًا من الله تعالى، ولبكى على أعماله التي فعلها خيرًا كانت أم شرًا، فإن كانت خيرًا فهو لا يدري أقبلت أم لا، وإن كانت شرًا فإنه يبكى على ما أسلف من أمره.

ولذا ينبغي على العبد المسلم أن يجمع بين ثلاثة أمور مهمة: المحبة، والرجاء، والخوف. فالمحبة تحرك القلب وتجعله يشعر بالأمل ويصبح في حال أفضل، بينما الرجاء يدفع العبد لأن يلقي همومه على الله متأملاً راجيًا رحمته يتشوف إلى أن الله سيقبل عمله برحمته وفضله. أما الخوف فإنه بمنزلة الشيء الذي يدفع العبد للعمل وتحصيل الثواب، ويكون خائفًا من عدم قبول العمل أو من الابتعاد على الطريق المستقيم. وقد سألت السيدة عائشة رضي الله عنها النبيَّ صلى الله عليه وسلم عن المقصود من قوله تعالى: “وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ” (سورة المؤمنون: 60)، فقالت: “هل هم الذين يشربون الخمر ويسرقون؟ قال: “لا يا بنت الصديق، ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون، وهم يخافون أن لا يقبل منهم” (رواه الترمذي).

وللخائفين من الله أحوال تدل عليهم، فإذا نظرنا إلى صحابة النبي صلى الله عليه وسلم والسلف الصالح وجدنا أنهم كانوا في عمل مستمر واجتهاد مع الخوف من الله وخشيته عز وجل. فهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه، كان دائم الأسف والبكاء قائلاً: “وددت أني شعرة في جنب عبد مؤمن”. رغم ما له من فضل عظيم في دين الله، ولكن تلك حال الخائفين الذين يخشون الله تعالى، ولذا لا يجمع الله عليهم خوفين معًا.