خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

الجاسوس البريطاني في الجزيرة العربية: لورانس العرب

dreamstime_s_17876010

لورانس العرب اسم سطع نجمه في مطلع القرن العشرين، ذلك المطلع الذي كان حافلًا بتقلبات كبيرة على الساحة السياسية العالمية، حيث شهد اندلاع الحرب العالمية الأولى، وسقوط الدولة العثمانية، وتبدل الولاءات بين الدول والزعامات، وقد كانت المنطقة العربية –خاصة الجزيرة العربية- مسرحًا لتطورات سياسية وعسكرية واقتصادية وجغرافية غيرت وجهها إلى يومنا هذا.

لقد سعت الدول الكبرى بكل ما أوتيت من قوة لبسط سيطرتها على الشرق الأوسط والجزيرة العربية لأهمية تلك المنطقة، ولأنها تربط بين قارتي آسيا وإفريقيا، والسيطرة عليها يعني السيطرة على المستعمرات في هاتين القارتين، ولأن السياسة قد تصنع ما تعجز الجيوش عن صناعته، فإن الجاسوسية كانت أحد أهم الأسلحة التي استعملتها بريطانيا لبسط نفوذها في شبه الجزيرة العربية.

وإذا ذكرت الجاسوسية في الجزيرة العربية ذُكر لورانس العرب كأحد أشهر الجواسيس الذين تركوا أثرًا على المنطقة حتى وقتنا هذا.

فمن هو لورانس العرب ؟

توماس إدوارد لورانس هذا هو الاسم الحقيقي له، ولد عام 1888م لأم اسكتلندية وأب إنجليزي، استقر مع أسرته في فرنسا لفترة وجيزة عاد بعدها إلى بريطانيا وتلقى تعليمه في مدارسها، وبدأ يُبدي اهتمامه بالآثار والتاريخ فالتحق بجامعة أكسفورد العريقة، وقد نجح في الحصول على ما يشبه المنحة لدراسة تاريخ منطقة الشرق، فوصل إلى بيروت في عام 1909، وقام باستكشاف بعض مدن بلاد الشام، وعاد بعدها إلى بريطانيا فحصل على بكالوريوس العلوم  في عام 1910، وقرر العودة إلى الشرق مرة أخرى، لكن هذه المرة كانت مختلفة عن سابقتها حيث أصبح متمكنًا من اللغة العربية، له دراية كبيرة بالعادات والتقاليد العربية.

وصل لورانس إلى الجزيرة العربية، وكان الألمان في تلك الفترة يسعون للاتفاق مع الدولة العثمانية لبناء خط حديدي يصل بين بغداد وبرلين على غرار خط حديد الحجاز، ولما علم لورانس بذلك، شعر بخطورة الموقف على مستعمرات بريطانيا في الشرق، فراسل المخابرات البريطانية التي رأت فيه صيدًا ثمينًا وقامت بتجنيده حيث كان يملك كثيرًا من المقومات التي ترفع الشبهة عنه، فهو متكلم فصيح بالعربية، على دراية كاملة بعادات وتقاليد العرب.

خطر داهم

بعد اندلاع الحر العالمية الأولى وإعلان الدولة العثمانية الحرب على بريطانيا، وجدت الأخيرة أن مستعمراتها في الشرق في خطر كبير، فقامت بتأليب العرب في الجزيرة العربية على الدولة العثمانية، ووعدتهم بحكم ذاتي لهم بعيدًا عن حكم الأتراك، وقد تزعم الشريف حسين الثورة العربية الكبرى ضد الدولة العثمانية، وكان للورانس العرب دور كبير في التواصل بين الإنجليز والشريف حسين، واستطاع لورانس العرب أن يعمل مستشارًا لفيصل نجل زعيم الثورة العربية، وشارك في المعارك غير النظامية لقطع الإمدادات الواردة إلى الجنود الأتراك، وبعد انتصار الثورة العربية وسيطرتها على كثير من البلاد العربية، كان لورانس يأمل أن يتم تقسيم البلاد العربية حسب ما خطط له مسبقًا بحيث يتم تقسيمها تبعًا لأماكن النفوذ وأغلبية السكان، لكن الحلفاء كانوا قد خططوا لكل شيء مسبقًا وقسموا البلاد العربية طبقًا لاتفاقية سايكس بيكو الشهيرة.

ما بعد الثورة العرابية

وبعد انتصار الثورة العربية على الدولة العثمانية لم ينفذ الإنجليز الوعد الذي قطعوه للشريف حسين بتنصيبه ملكًا على العرب، ويبدو أن دور لورانس العرب قد انتهى عند هذه اللحظة وعادة إلى بريطانيا وخدم في الجيش البريطاني لفترة من الزمن.

لقد لعب لورانس العرب دورًا كبيرًا في تأليب الزعماء العرب في الجزيرة العربية من أجل الثورة على العثمانيين، طمعًا في وعود الإنجليز التي تبخرت بعد سيطرتهم على بلاد الشام وهزيمة العثمانيين وإنهاء وجودهم في المنطقة العربية بشكل كامل.

وفي جميع المحطات كان لورانس يقدم نفسه على أنه عربي أصيل يريد استقلال العرب، وتمتعهم بحكم مستقل بعيدًا عن العثمانيين، لذلك فإن المؤرخين يجمعون على أن لورانس العرب قد قام بشحن الثورة العربية ضد الدولة العثمانية، وحقق مصالح الإنجليز دون أن يخسروا جنديًا واحدا في الحرب.

وقد توفي لورانس عام 1935 في إنجلترا، وقيل إن وفاته كانت مفتعلة.

وأخيرًا قررت وزارة السياحة بالمملكة العربية السعودية ترميم منزل لورانس العرب الذي كان يقيم فيه في منطقة ينبع على البحر الأحمر، باعتباره أثرًا باقيا على دوره في أحداث الثورة العربية الكبرى.