“ماذا تظنون أني فاعل بكم”: (دروس وعِبر من فتح مكة)

© Chernetskaya | Dreamstime.com

كان فتح مكة من الأمور التي وطدت الدين في شبه الجزيرة العربية، ووحدت كلمة الإسلام والمسلمين، ورفعت راية الحق، بحيث وصل الدين إلى مبتغاة، وطهر النبي صلى الله عليه وسلم الكعبة المشرفة من الأصنام، ورغم أن الرسول صلوات الله عليه قد دخلها بجيش لا يرد، وكان قادرًا على محو أهل مكة عن بكرة أبيهم آخذًا بثارات المسلمين من أهل مكة الذين أذاقوهم أصنافًا من العذاب، واضطروهم لمغادرة وطنهم وأهلهم ومالهم، ورغم كل ذلك لم يفعل صلى الله عليه وسلم ذلك. وهناك العديد من الدروس والعبر الجليلة لهذا الفتح العظيم، نذكرها منها:

التخطيط الاستراتيجي وسرية الفتح: إذ كانت الخطة محكمة بدقة، وقد أخفاها النبي صلى الله عليه وسلم عن أقرب الناس إليه، عن زوجه عائشة رضي الله عنها، وتحرك بسرية تامة حتى فاجأ أهل مكة، ولم يشعروا إلا والجيش يحيط بهم، فلم تكن هناك من مقاومة تذكر، وهذا درس كبير في التخطيط والسرية وحسن التدبير في الحرب والفتح.

كان الفتح بيانًا لعاقبة نكث العهود، فإذا ترك المسلمون المشركين يتمادون في نكثهم ضاع الأمر، ولم يعد في الإمكان أن يحيا المسلمون في أمان. وقد تجلى فضل أهل بدر ودورهم وإقالة عثرتهم، فقد عفا النبي صلى الله عليه وسلم عنحاطببعد أن تاب وأناب.

وأعطى فتح مكة درسًا بليغًا في المسامحة والعفو وطيب النفس، فإذا كان المسلمون قد قُتلوا هنا من قبل وعُذبوا، فإن النبي لم يرد الأمر بالمثل وعفا عن المشركين وأمنهم في على أنفسهم وأموالهم، وكان هذا من أفضل الدروس والعبر، فالعفو عند المقدرة من الأمور التي لا يتحلى بها إلا القليل من الناس، وقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم أروع الأمثلة حين قال لأهل مكة: ما تظنون أني فاعل بكم؟ فرد عليه القوم: أخ كريم وابن أخ كريم. فقال قولته الخالدة: اذهبوا فأنتم الطلقاء. ولم يتحمل المشركون المفاجأة فأسلم الكثير منهم، لما رأوا من خلق الإسلام ونبيه.

ومن الدروس المستفادة الإعداد والتجهيز للعدو وإرهابه بالقوة اللازمة التي تجعله يجثو على قدميه، وقد قال تعالى: “ وَأَعِدٌّوا لَهُم مَّا استَطَعتُم مِّن قُوَّةٍ, وَمِن رِّبَاطِ الخَيلِ تُرهِبُونَ بِهِ عَدوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُم وَآخَرِينَ مِن دُونِهِم لاَ تَعلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعلَمُهُم وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيءٍ, فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيكُم وَأَنتُم لاَ تُظلَمُونَ” (سورة الأنفال: 60). أعد النبي العدة والعتاد، وأحسن الصبر حتى اكتملت الصفوف، ثم توكل على الله وعزم أمره على فتح مكة، فكانت له الغلبة بإذن الله، ونستفيد من ذلك أنه يجب أن نجهز للأمر قبل أن نقوم به، وأن نعطي للشيء ما يستحق من التقدير.

وأعطى فتح مكة رسالة واضحة على مشروعية مباغتة العدو في عقر داره، وعلى مشروعية السفر في شهر رمضان مع إمكانية الفطر أو الصوم على حد سواء. وأنزال النبي صلى الله عليه وسلم الناس منازلهم فجعل أبا سفيان، وهو رجل يجب الفخر، منزلة حسنة فجعله ينادي القوم: “ من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن دخل داره وأغلق بابه فهو آمن“. وعلمنا النبي صلى الله عليه وسلم التواضع من خلال تواضعه في نصره، وأنه ما جاء ليقتل أو يشرد الناس، ولكنه دعاهم إلى الخير وعفا عنهم وكان قادرًا على قتلهم جميعًا.

لقد كان فتح مكة رسالة للتجاور والتعايش بين الناس دون قتل أو تخريب، وأن تعلو القيم الإنسانية وتسود، وأن تكون راية الحق عالية خفاقة، وأن يكون الناس متحابين. وتلك هي رسالة الإسلام في كل زمان ومكان.

هل لديك استفسار؟

تواصل معنا!

مقالات ذات صلة
عقيدة إيناس الليثي 2020-يوليو-6 السبل الشرعية للوقاية من الأوبئة والفيروسات عقيدة بلال محمود 2020-يوليو-6 قصة توبة “مالك بن دينار” عقيدة علاء حمدي 2020-يوليو-5 أبو سفيان بن حرب.. دهاء وخديعة
رأي
رأي 2020-يوليو-5
صورة ملف شخصي
عبدالعزيز الأسواني
كاتب عمود

رغم أن الإسلام جاء بكل التشريعات التي تخص العدالة والاعتقاد والإيمان، والرحمة والإحسان، والمبادئ الأساسية التي تكرم الإنسان، فإن هؤلاء لا يرون إلا ما أنتجته الآلة الغربية من شذرات مبعثرة هنا وهناك ليكون منهجا ضابطا لحياتنا وأفكارنا وأعمالنا.

متابعة متابعة