رأي 2020-مايو-16

ماذا فعلت كُرة القدم بالناس؟

صورة ملف شخصي
أحمد إسماعيل
كاتب عمود

  هل هي سحر فعلاً كما يقولون؟ هل لا أحد يستطيع الاستغناء عنها؟ هل هناك من يمكن أن يموت لو لم تكن كرة القدم موجودة؟ في الحقيقة إنها لعبة أصبحت لغزًا، ومع مرور الوقت تزداد شعبيتها بصورة جارفة، أخذت معها كل شيء في طريقها، حتى إن مناحي كثيرة لم يعد لها معنى، كان الناس قديمًا لا يعرفون شيئًا عن الكرة، ومع ذلك كانت لهم بعض الألعاب الأخرى التي يلعبونها لتسليتهم، لكنها لم تكن بتلك الصورة وهذا الوضع الذي رسخته كرة القدم، ومع ذلك عاش الناس وماتوا دون كرة القدم، ولم تحدث مشاكل، لذا فإن تلك اللعبة وليد عصر معين وقد تطورت من مرحلة إلى أخرى، وأصبحت اليوم لعبة استثمارية وتجارية في المقام الأول.

هل أثرت كرة القدم منذ إنشائها بشكلها الحديث على فئات متعددة من الناس، وشكلت فيهم الحماسة والتشجيع والإصرار، وبدأت عمليات التنافس تظهر، وتولدت العداءات دون سبب سوى أن هذا يشجع فريق كذا أو كذا، لقد أصبح العالم كرة ملتهبة من الحماس الجماهيري المتقد والمتزايد. لقد حولت كرة القدم الناس إلى أشباح تجري خلف قطعة صغيرة من المطاط، وفي الجانب الآخر هناك من يموتون جوعًا كل يوم ولا يجدون من ينظر إليهم. ومع ذلك فكرة القدم ليست سيئة إلى هذا الحد لأنها استطاعت أن تجمع الناس وأن ترفع من روحهم المعنوية في أوقات كثيرة، وأن تكون مجالاً مهمًا من مجالات العمل الإنساني، إلا أنها تحولت من وسيلة مع مرور الوقت إلى غاية، وتلك هي المشكلة الكبيرة، لقد تحول الناس إلى الكرة بوصفها هدفًا حياتيًا وأسلوبًا لا يرضون فيه سوى المكسب دون الخسارة.

سيطرت كرة القدم في الفترات الأخيرة مع التقدم التقني على مشاعر الجماهير أكثر وأكثر، وأصبحت اللعبة الشعبية الأولى بلا منازع في أماكن كثيرة من العالم، وأنفقت عليها الأموال الكبيرة والاستثمارات الضخمة، وأصبحت مجالاً خصبًا للعمل والمكسب السريع، لكنها مع ذلك لم تحل المشاكل الاقتصادية للناس ولم تجعل الفقراء أغنياء، لأن هدفها الرئيس التسلية والترويح عن النفس وهي قيمة معنوية غير مادية.

وتمتلك كرة القدم سحرها الخاص وتفننها في الإلهاء، وذلك يعد هدفًا من أهدافها، إذ يجد فيه المرء نوعًا مختلفًا من الراحة، وذلك أن الشخص يكون فرحًا عندما يفوز فريقه على المنافس التقليدي، وينسى بذلك همومه ومتطلباته الأساسية، وينسى حتى بعض أهدافه والقصور السلبية التي تحتاج إلى علاج. يندفع الناس مشدوهين إلى الشاشات أو الاستادات ليشاهدوا فريقهم المفضل، وفي تلك اللحظة لا يتذكر الإنسان أي شيء أمامه سوى الكرة والحماس والتشجيع. إنها الإلهاء الأكبر الذي يمكن معالجة الناس به وتنويمهم عن مهامهم الأصلية.

لقد جاءت كرة القدم لتسيطر على عقول الناس وأفئدتهم، وإذا سألت أحدهم لماذا تحب كرة القدم، ربما لا تجد إجابة لديه على الإطلاق، لأنه يراها شيئًا لا يمكن تفسيره, أو هي ظاهرة غامضة، أو هي الساحرة المستديرة التي تسحر العيون والقلوب وتشد الناس إليها دون رأفة أو رحمة. لقد فعلت فيهم مفعولها السريع من خلال الإعلام والبرامج وتحول الحياة في عيون الناس إلى كرة كبيرة يلفون فيها.

ومع انتشار فيروس كورونا حول العالم توقف النشاط الكروي، وأصبحت كرة القدم مكانًا ذابلاً، رغم أنها ما زالت مطلوبة ويبحث الناس عن عودتها بفارغ الصبر، لكنها أثبتت للناس أنهم يستطيعون الحياة دونها، وأنها مادة إعلامية وحالة حماسية لا أكثر ولا أقل، وأنها رياضة وليست غاية حياتية. في حين ظهرت المهام الطبية والأطباء والأدوية والعلوم والمعلمون والأساتذة وكل ما يفيد الناس، على أنها أساسات حقيقية لا غنى عنها، لأن الحياة تتوقف دونها، ويهلك الناس لولا وجودها، لقد بدأت الأولويات تترتب مرة أخرى، فهل يعي الناس ذلك؟

هل لديك استفسار؟

تواصل معنا!

مقالات ذات صلة
رأي
رأي 2020-يونيو-24
صورة ملف شخصي
أحمد إسماعيل
كاتب عمود

يشكل اللوبي الصهيوني في أمريكا أكبر المؤثرين الدوليين في اتجاهات الدراسات الاستشراقية الأمريكية في العصر الحديث، بل ويعد إما موجهًا لها أو حائلاً دون القيام بها، فهو من يمتلك النفوذ الجارف والمرجعية القوية وخاصة لدى المحافظين الأمريكيين، بحيث غدا هذا اللوبي متحكمًا في مصير أمريكا بالكامل، وربما يريد أن يتحكم في العالم أجمع.

متابعة متابعة
رأي
رأي 2020-يونيو-20
صورة ملف شخصي
أحمد إسماعيل
كاتب عمود

ورغم أن عوامل التأثير والتأثر قد غدت الآن أكثر استفحالاً وبروزًا عن ذي قبل، وأصبحت الشعوب على تواصل فيما بينها، فإن ذلك لم يكن عاملاً لذوبان الفوارق الحضارية بينها،

متابعة متابعة
رأي
رأي 2020-يونيو-2
صورة ملف شخصي
أحمد إسماعيل
كاتب عمود

الاتجاه الذي غدا عليه الإعلام في الغرب وبعض أجهزة الشرق الإعلامية، لقد كان الهدف واضحًا منذ البداية، والأمر لا يحتاج إلى تفسيرات، لقد قُصد الشباب في مقتل، وبات يعاني من تلك الأزمات المصطنعة له خصيصًا، ونظرًا لحداثة السن وقلة الخبرة وتباعد الروابط الأسرية، أصبح شبابنا صيدًا سهل المنال.

متابعة متابعة
رأي
رأي 2020-أبريل-19
صورة ملف شخصي
أحمد إسماعيل
كاتب عمود

اختلاف كبير بين القرارات التي يمليها علينا التفكير المنطقي وبين الرغبات النابعة من العواطف التي يصعب التحكم فيها.

متابعة متابعة