خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

مانسا موسى: أغنى الأثرياء عبر التاريخ

M

في لحظة ما يظن البعض أنه لم يكن يوجد في يوم ما مَن هو أغنى من بيل جيتس رجل التكنولوجيا الحالي والذي يتصدر قائمة الأكثر ثراءً في العالم منذ سنوات طويلة، لكن عزيزي القارئ ستدهش عندما تعلم أن أغنى رجل عبر التاريخ مطلقًا، هو رجل مسلم من قارة إفريقيا، وقد تجاوزت ثروته أربعة أضعاف ثروة بيل جيتس المدير التنفيذي لشركة مايكروسوفت، والتي قد بلغت ثروته أكثر من 90 مليار دولار، أي أن ثروة بلغت ما يقارب 400 مليار دولار أمريكي، وبذلك يعد أغنى رجل في تاريخ البشرية استطاع اقتناء هذه الثروة الضخمة.

فمن هو مانسا موسى وما قصته؟ إنه الملك المالي الإفريقي المسلم حاجي كانجا مانسا موسى، ولد في عام 1280 م، وتوفي في عام 1337 م، يعد من أعظم الملوك في إمبراطورية مالي في عصرها الذهبي، وأحد أكثر زعماء القارة الإفريقية شهرة في عهده، تولى الملك بعد السلطان أبي بكر الثاني في عام 1312 م، تميز بالعلم والنبوغ والمعرفة، وكان ورعًا ويمتلك شخصية استثنائية وحنكة سياسية بارعة، استطاع بها أن يوسع بها دولته لتضم مناجم الذهب في منطقة غينيا بجنوب مالي، وحوّل عاصمته تمبكتو إلى منطقة مزدهرة ومحط للقوافل التجارية عبر الصحراء بالشمال، وازدهرت مملكته بشكل كبير، حتى إن الكشافة الإسبان قاموا بوضع صورته الشخصية وهو يجلس على كرسيه ممسكًا ببعض القطع الذهبية، رافعًا إياه وهي تبْرُق كضوء الشمس، وذلك في أطلسهم الكتالوني. وكان من فضائله أن ازدهرت في عهده جامعة سانكوري وأصبحت مركزًا للعلم ونشره في ربوع القارة الإفريقية.

عندما تولى الحكم في عام 1312 م، حصل على مانسا والذي يعني ملك، ومنذ أن تولى الحكم استطاع بحنكته المعهودة نشر الإسلام في ربوع مملكته، واستطاع أن يوحدها ويؤمنها ويجعلها قوة موحدة، مما عاد عليه بالخير بعد ذلك. وفي عام 1324 م قام بحلة لأداء فريضة الحج، وكانت رحلة مشهودة، انطلق في ركب كبير ضم آلاف الناس ومئات الجمال والأحمال والهدايا والذهب والطعام، وفي طريقه وزع سبائك الذهب وأكثر منها، وخاصة في القاهرة التي توقفت الرحلة فيها، فاستقبله المماليك استقبال الفاتحين، وظل الذهب يوزع على الناس، حتى حدث تضخم كبير في العالم أجمع من كثرة ما تم توزيعه، ويقال إنه هذا التضخم لم ينته إلا بعد عشرين عامًا من تلك الرحلة. ومع هذا اضطر مانسا موسى الاقتراض في نهاية الرحلة لانتهاء الذهب الذي يحمله معه.

وعند عودته أصبحت العاصمة تمبكتو الواقعة في جنوب غرب نهر النيجر، مركزًا مهمًا لتجارة الذهب ونشر الإسلام، وقد أحضر معه من رحلته تلك عددًا من العلماء، وكان من بينهم أحد المهندسين المعمارين، والذي ساهم في بناء مسجد تمبكتو ومسجد جاو، وهما قائمان إلى الآن. وبعد رحلة مكللة بالنجاح توفي مانسا موسى في عام 1337 م، وكان وقتها قد حكم ما يقارب من 25 عامًا كاملة، استطاع فيها بناء إمبراطورية قوية ومزدهرة وعامرة بالخير والثروة، وقد استطاعت بفضل حنكته أن تظل قوية لعشرات من السنين من بعده.

حين توفي مانسا موسى خلفه ابنه المسمى مانسا مقان، والذي ظل في الحكم إلى أن تولاه منه أخوه مانسا سليمان في عام 1341 م. لقد استحق الرجل أن تخلد ذكراه في وجدان الناس والتاريخ، لقد جعل مالي تعيش عصرها الذهبي بكل جدارة، في وقت كانت أوروبا في عصورها الوسطى تعيش في ظلمات الجهل والمرض والفقر.