خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

ما بعد كورونا: التحول العالمي الكبير

Sungai Klang di Kuala Lumpur © Ravindran Smith | Dreamstime.com

  يشكل فيروس كورونا أزمة صحية خطيرة حول العالم اليوم، فما زال مؤثرًا ويخطف أرواح الآلاف كل يوم، ولا يوجد له علاج ناجع أو شافٍ بشكل متخصص، ولا يزال علماء الفيروسات يحاولون فهمه والسيطرة عليه. ووسط هذا الوباء العالمي الجامح والذي يأبى الخضوع أو الاستسلام، أخذ الاقتصاد العالمي يترنح يمنة ويسرة، مما كان له بالغ الأثر على حياة الناس وتأمين معاشهم، يضاف إلى ذلك حالة الهلع الشديد حين يصاب حي من الأحياء أو منطقة بهذا الوباء القاتل.

ونتيجة لهذا الكساد وتوقف حركة الناس وأعمالهم، أصبح للفيروس تأثيرات العالمية الواضحة الآن بشكل لافت، فكل اقتصاديات العالم في تراجع مزمن وكبير، وتخسر اليوم مئات الملايين من الدولارات يومًا. بالدرجة التي جعلت شركات كُبرى تنسحب من أماكن كثيرة من العالم، وهناك مصانع متوقفة عن الإنتاج، وشركات لا تعمل ولا تعطي للعاملين أجرًا يعوضهم عن بقائهم في البيت طيلة الوقت.

وتلك الأحداث وغير ستخلق مع مرور الوقت زعزعة في استقرار الوضع العالمي، بما يعني أن مناطق القوى لن تعد تعمل بذات الدرجة، في حين أن هناك مناطق أخرى يمكنها الاستفادة من تلك الأوضاع وتغيير خريطة القوى العالمية المهيمنة. ولعل الصين تعد من هذا الصنف الذي يُأمّل فيه أن يكون من القوى الأكثر تأثيرًا خاصة من الناحية الاقتصادية.

رغم أن الفيروس أصاب الصين أولاً، فإن الواضح أنها لم تتأثر به كثيرًا، إذ علمت أماكن تمركزه وقامت بإجراءات عاجلة وفورية، مما ساعد على تخطي الأزمة سريعًا، كما أن اقتصادها حقق نموًا نتيجة الضربة التي وجهت للاقتصاد الأوروبي والأمريكي في الصين؛ فقد بدأت الشركات الأوروبية والأمريكية في عرض أسهمها للبيع وسط مخاوف من خسارة الأموال كلها نتيجة وجود الفيروس في الصين، غير أن الدولة الصينية قررت أن تبقى متفرجة إلى النهاية، وظل المستثمرون يترقبون الوضع إلى أن أصدرت الدولة قرار ملزمًا بأن تكون جميع الأسهم الأمريكية والأوروبية في الشركات ملكًا للدولة، وفي ظل هبوط السهم إلى أدنى حد له، قررت الحكومة الصينية شراء جميع الأسهم، والتي تشكل 60% من إجمالي الأسهم.

وكانت تلك ضربة موجعة للاقتصاد الأوروبي والأمريكي، وقد حلل الخبراء ذلك الأمر بأنه يوحي بأن خريطة العالم ستتغير عما قريب، وأن الأزمة الحادثة لن تمر مرور الكرام، وأن انتهاءها لا يعني استقرار العالم، فالتحول في مساره يأخذ طريقه الجديد، وفي لحظة غامرة يمكن أن نجد أن الصين هي أمريكا العالم، وأن دولاً لم نكن نسمع بها قد تصدرت القوى الكبرى، وكل شيء يظل ممكنًا ما دمنا لا نعرف أين نسير.

تعد أمريكا الآن من أكبر الخاسرين العالميين في أزمة انتشار كورونا، فلديها أكبر الإصابات، وأكبر الأعداد من القتلى، وأسوء موقف اقتصادي معقد، لأن الإنتاج توقف تمامًا، ولن تكون بكل تأكيد على توجيه أي دولة أو التأثير عليها بأي شكل ما دامت في هذا الوضع، ويمكن أن يتطور الوضع في المستقبل فلا تكون قادرة على إدارة شؤونها الداخلية، لذا فالأمر الآن بالنسبة لها مسألة حياة أو موت إما أن تجد علاجًا في أسرع وقت، وإلا فقدت تأثيرها على العالم، وهذا بدوره جعل خريطة العالم غير واضحة المعالم.

إن ما بعد كورونا يظل في علم الغيب، لكن الدلائل والأسباب التي يمنحنا الله إياها لتفسير بعض الأمور، تشير في مجملها إلى تحول عالمي قادم لا محالة، فالعالم لم يشهد جائحة مثلها منذ مدة طويلة، وحتى أنفلونزا الطيور أو الخنازير أو غير ذلك، كانت في مجملها بسيطة ولم تمثل جائحة مهلكة بهذا القدر. وتبقى الشهور القادمة هي الفيصل في الحكم على التحول العالمي من عدمه، وتبقى الأسئلة الملحة في متى يتوقف هذا الوباء، وكيف، ومن الدول الصاعة، وأيها الهابطة؟ تدور في الأذهان وتملأ الدنيا ضجيجًا.