خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

ما يراه الميت في لحظات الاحتضار قبل موته

ID 92063843 © Artisticco Llc | Dreamstime.com

يبقى الموت هو الشيء الذي لا يستطيع أحد رده عن نفسه، وهو سُنّة الله في خلقه، جعله الله تعالى للخلائق جميعًا عبرة وآية، فكل مَن على وجه الأرض فانٍ لا محال، وإنما هي أيام يقضيها الإنسان بين جدّ ولعب، فمن أحسن الوفود وعمل لما بعد الموت نال جزاءه، ومن قصر فتلك ما كسبت يده. وقد وصف الله الموت في كتابه العزيز بأنه “مصيبة”، لما فيه من البلاء الشديد، وقوة السكرات وشدتها، وقد عانى منها أشرف الخلق عند موته، فما بالنا نحن، ولما فيه من ترك الأهل والأحباب، ومفارقة الديار والأموال والملذات. فالإنسان يرحل في لحظات ويترك خلفه كل شيء لغيره، فيحاسب عما اكتسب، ويقسم الأهل المال ويتمتعون به.

ومن الأمور التي يحدث فيها جدل أحيانًا مسألة ما يراه الميت قبل موته، حين يكون راقدًا على فراش الموت لا يستطيع أن يتحرك أو يشير أو ينطق، وبعض الناس يتحدثون في مسألة رؤية المحتضر للأموات من الأقارب والأحباب، وأشياء أخرى غير ذلك كثيرة. فما الصحيح في ذلك؟

في الحقيقة، مما يذكره لنا العلماء فإنه لا يوجد دليل واحد على رؤية الأقارب من الأموات في أثناء الاحتضار، وإن وجدت فقد تكون مجرد صور ذهنية عابرة نتيجة ما يراه من ألم في النزع الأخير، لكنّ البشرى الحقيقية للمحتضر والثابتة في كتاب الله، ما يراه الميت من تبشير الملائكة له إن كان مؤمنًا، إذ تتنزل عنده، وتجلس لديه، فيشاهدهم، وربما يتكلم الإنسان المؤمن بما يدل على ذلك، يقول الله تعالى: “إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ. نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ. نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ”. (سورة فصلت: 30-32)

وفي الملائكة عند الاحتضار يقول ابن قيم الجوزية رحمه الله: “أول ذلك أن الملائكة تنزل على المحتضر، وتجلس قريبًا منه، ويشاهدهم عيانًا، ويتحدثون عنده، ومعهم الأكفان والحنوط، إما من الجنة، وإما من النار. ويؤمنون على دعاء الحاضرين بالخير والشر، وقد يسلِّمون على المحتضر، ويرد عليهم، تارة بلفظه، تارة بإشارته، وتارة بقلبه، حيث لا يتمكن من نطق ولا إشارة”.

ويواصل ابن القيم كلامه عن رؤية المحتضر للملائكة بقوله: “وقد سُمع بعض المحتضرين يقول: أهلاً وسهلاً ومرحبًا بهذه الوجوه. وأخبرني شيخنا عن بعض المحتضرين- فلا أدرى أشاهَدَه أو أُخبِر عنه- أنه سُمع وهو يقول: عليك السلام، ههنا فاجلس وعليك السلام، ههنا فاجلس”.

ثم يدلل ابن القيم على كلامه السابق بما يرويه عن ابن أبى الدنيا أن: “عمر بن عبد العزيز لما كان في يومه الذي مات فيه قال: أجلسوني. فأجلسوه فقال: أنا الذي أمرتني فقصرت، ونهيتني فعصيت. ثلاث مرات. ولكن لا إله إلا الله. ثم رفع رأسه فأحد النظر، فقالوا: إنك لتنظر نظرًا شديدًا يا أمير المؤمنين، فقال: إني لأرى حضرة ما هم بإنس ولا جن، ثم قُبض”. (الروح، ص 64-65)

ومما روي في هذا الباب أيضًا قول فضالة بن دينار: “حضرت محمد بن واسع وقد سُجي للموت، فجعل يقول: مرحبًا بملائكة ربي، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وشممت رائحة طيب لم أشم قط أطيب منها، ثم شخص ببصره فمات. والآثار في ذلك أكثر من أن تحصر، وأبلغ وأكفى من ذلك كله قول الله عز وجل: “فلولا إذا بلغت الحلقوم وأنتم حينئذ تنظرون ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون”، أي: أقرب إليه بملائكتنا ورسلنا، ولكنكم لا ترونهم”. (ابن القيم، الروح، ص 64-65)

وقد ثبت في الشرع الحنيف أن الشيطان قد يعرض في بعض الحالات أثناء احتضار الميت، بهدف النزغ ومحاولة إحباط المحتضر في أن يموت على لا إله إلا الله، يقول ابن كثير رحمه الله: “والذنوب والمعاصي والشهوات تخذل صاحبها عند الموت مع خذلان الشيطان له، فيجتمع عليه الخذلان مع ضعف الإيمان، فيقع في سوء الخاتمة”. (البداية والنهاية- 6/163).