خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

محمد علاء يكتب: شياطين الإنس والجن

dreamstime_s_34091528

شياطين الإنس ليس وصفًا جزافيًا، كنت أقرأ في تلك القصص، وأسمع من هذا وذاك عن هذا الشيطان المرعب الذي يقلب أحوال الإنسان، وينفث فيه نار الحقد والانتقام، وحرارة الفاحشة والبغي، وطوفان السوء والشر، ذلك الذي يسبح بقولنا ويسرح بأفكارنا لمهالكنا، وكنت أقول كيف ذلك؟ كيف هذا الشيطان يدخل عقلي ويجعلني أفعل كل تلك الآثام بإرادة غير إرادتي؟!

من هو الشيطان

وعندما أردت أن أعرف ما هو “الشيطان” وكيف خلق ولما خلق؟! فبدأت الإجابات تتضح لي مع الوقت. فعرفت أن الشيطان مجرد مخلوق كسائر مخلوقات الله، له ما له وعليه ما عليه، فخلقه الله كما خلق الملائكة والإنسان وجميع الخلائق، لغاية واحدة وهي العبادة وتوحيد الله جل جلاله، ولكن الله قد ميز كل مخلوق بصفه خاصة تفرده عن غيره من المخلوقات، فالملائكة منهم المسبحون بحمد الله الشاكرين لنعمه العارفين بعظمته ومنهم الحاصرين والكاتبين وغير ذلك.

والجن ايضا خلقوا ليعبدوا الله ويقدسوه وإبليس من الجن، الي أن جاء الإنسان وخلق آدم عليه السلام وأمر الله الملائكة بالسجود فسجدوا جميعا إلا إبليس رفض وامتنع بتكبر وعناد كما جاء في الذكر الحكيم (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ).

رفض إبليس السجود لآدم لأنه رأي أنه أفضل من آدم في تكوينه وخلقته وقدراته، وعلل عصيانه بقوله: ” أنا خير منه، خلقتني مِن نارٍ وخلقته من طين “، فتفشت فيه نار حقده وتكبره حتى عصى أمر الله، ولكن في الحقيقة إبليس لم يكفر بوجود الله علي الإطلاق. ولكنه عصى الله وتكبر فكفر بإرادة ربه وحكمته في خلق آدم؛ لأنه رأى أن هذا المخلوق الأدني منه لا قيمة ولا قدره فيه، وطلب من الله أن يمهله إلى يوم الدين كي يغوي آدم ويغوي ذريته ويثبت لله أنه علي حق.

ليس مجرد استكبار

ولكن ما حدث كان أعظم من استكبار إبليس وعناده، فظهر الإنسان على غير الصورة التي تخيلها إبليس، فمن الإنس من يعبد الله حق عبادته ويتقي الله ويستقوي به، وهنا تصير أحلام إبليس هباء منثورا، ولكن ليس على كل البشر فمنهم الذي يضعف ببعده عن الله، ويلوذ بالذي هو أدنى ويمضي على خطى الانحراف فيجعل للشيطان ألف سبيل وسبيل ليغويه ويضله.

ولكن ما قدرة الشيطان على الإنسان؟! وما هو درع الإنسان الواقي لهذا الحقد الذي يحوم حول الإنسان؟!

تجد الله يقول: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ) ويقول الله في كتابه الكريم (قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (39) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (40) قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (41) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (42) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (43))

شياطين الإنس

فلنحاول أن ننظر لتلك الآيات بتمعن ودقه فتجد رب العزة يحدد من يقوى إبليس عليهم، ويلبسهم عمامة العمى والضلالة، وايضا حدد من يقوى على إبليس ويجلعه يخشى منه، ويفر من طريقه؛ وهم المؤمنون بالله حق إيمانه الموحدون الشاكرون، والذاكرون له في كل وقت وحين من يجعلون بأيمانهم بالله عصمة، وحبل متين اولئك لا يجد إبليس عليهم سبيلا أو ثغرة ليهد هذا المخلوق الذي لم يعجبه، وعاند ربه بسببه.

في الحقيقة الإنسان من أسمى مخلوقات الله تعالى حلاه الله بالإرادة الحرة، وأعطاه مساحة ليختار، ويقرر ويعرف، وجعله يعي كل شيء ووهبه العقل الذي يستنير بالعلم فيعرف كل شيء ويعرف نفسه، فالوهن والضعف إذا سكن روح الإنسان، وانطفئ إيمانه بربه سلك في ضلاله وانحرف بوعيه الذي يدرك حقيقته، وحقيقة ما هو ماضي إليه، حتى يأتي الشيطان ليجد تلك الفريسة السائغة ليجهز عليه بكل سهولة.

فالذي يمنح الشيطان الفرصة ليغويه هو الإنسان إذا طلب الغواية وغلبت نفسه الشهوة والاطماع، ومضى مقتنعا بما يفعل وشطأ فكره فهنا الإنسان قرر بنفسه ما يريد فالنفس في تلك الحالة هي شيطان اخر، شيطان داخلي يمكن أن نكبحه نحن بالإرادة، والإيمان والعصمة، فهل فعلا الإنسان أيضا بداخله شيطان؟ نعم الذي يحركه بالعصيان والضلالة.

فتدبر معي تلك الآية الكريمة.

(وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا). وكذلك قال (مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ* الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ)

فكما تري في تلك الآيات أن ربك قال هناك شياطين من الإنس والجن وهنا نرى أن كل ما انحرف وضل وعصى فهو شيطان حتى في اللغة تجد كلمة “شطأ” أي انحرف ومال، فالانحراف والميل عن الحق وعصيان الله كلها صفات شيطانية يتصف بها أي كان إنس أو جان.

الشيطان وإلصاق التهم

حتى الشيطان الذي نلصق به كل تهمنا سوف يتبرأ منا وينكر اتهاماتنا له التي صنعتها أنفسنا وما أدراك ما هي أنفسنا التي تقلب حالنا فتجد الشيطان يقول يوم القيامة مدافعا عن نفسه.

(وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم).

فترى هنا إبليس يقول: “انتو كنتم ضالين ضايعين ونفوسكم تايهة فيدوب انا قولتلكم يلا نمشي في الطريق ده وانتو سمعتوا كلامي”

فلنحاول أن نرى أنفسنا أولا ونراجع أفكارنا عن هذا البعبع الذي نمسح فيها كل ذنوبنا، ولا نصبح مخدوعين في أنفسنا ونخترع شماعة نلقي عليها كل آثامنا، ولنعترف لأنفسنا أننا حقا مخطئون إذا انحرفنا، شياطين الإنس إذا عصينا، ونورانين إذا اهتدينا.

 

بقلم: محمد علاء