خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

محمد كُريِّم المصري ومُقاومته للاحتلال الفرنسي

ID 27266527 © Vadimlabinsky | Dreamstime.com

في تاريخنا الحديث نماذج مشرفة وأبطال حقيقيون لم تخضعهم الآلة الغربية لسلطتها، ولم تستطع المغريات التي تُقدمها السلطة الإمبريالية الغربية الغاشمة أن تفتّ في عضدها، فواصلت كفاحها ضد الظلم والطغيان، ووقفت شامخة وسط المخاوف والأهوال تصدح بالحق وتدعو إليه. ومن بين هؤلاء الأبطال الكُثر في عالمنا الإسلامي والعربي البطل المقاوم محمد كُريم، أحد البواسل الذي وقفوا في وجه الحملة الاستعمارية الفرنسية الغاشمة ضد مصر في عام 1798 م، إنه محمد بن عبد الرزاق محمد كريم، الذي استطاع أن يقود الناس ويؤلفهم ضد الحملة الفرنسية، وأن يشكل الحراك الشعبي ضدهم.

 ولد محمد كريم في منطقة الأنفوشي بالإسكندرية قبل منتصف القرن الثامن عشر بقليل، نشأ في بيت عمه لكونه يتيمًا، وفي أول حياته عمل قبانيًّا يزن البضائع في حانوت صغير في الثغر افتتحه له عمه. امتاز بخفته ومودته وقربه من الناس، ولم يتلقَ تعليمًا مثل أقرانه بسبب وفاة والده، وليعوض ذلك أخذ يتردد إلى المساجد ويأخذ العلم عن شيوخها، وابتدأ بعض ذلك محادثة الناس من خلال الندوات الشعبية التي كانت تقام في ذلك الوقت، فعرفه أهل الإسكندرية ورأوا ووطنيته وشجاعته عن قرب.

لقد كان لتلك الندوات مفعول السحر، إذ امتلك شعبية جارفة ساعدته فيما بعد لأن يكون حاكمًا للإسكندرية، وكانت الإسكندرية بوابة بحرية مهمة لمصر، ولذا كان يتم انتقاء حاكمها بدقة، وتقرب محمد كريم من أهل الإسكندرية حتى أحبوه حبًّا شديدًا، وكان يقوم بمهام عمله على أكمل وجه.

وفي تلك الأثناء أبحر الأسطول الفرنسي بقيادة نابليون بونابرت، أي في مايو 1798 م، متجهًا إلى مصر قاصدًا نهب ثرواتها والسيطرة عليها، وكان مقدرًا على محمد كريم أن يقف في وجه تلك الحملة المغرضة على بلاده، وكانت القوى الاستعمارية في ذلك الوقت تقسم الدول فيما بينها، لذا تحرك الأسطول الإنجليزي بقيادة نلسون ووصل إلى الإسكندرية طالبًا من محمد كريم انتظار الأسطول الفرنسي خارج الميناء وأن يسمحوا لهم بأن يتزودوا بما يحتاجونه، وهذا نوع من الابتزاز السياسي، إذ إن دخولهم بأسلحتهم لا يعني التزود بل الاحتلال الفعلي للبلاد، ولذا قال له في جرأة وتماسك: “ليس للفرنسيين أو سواهم شيء في هذا البلد، فاذهبوا أنتم عنَّا”.

وبعد أسبوع من وصول الأسطول الإنجليزي وصل الأسطول الفرنسي بقيادة نابليون، فأرسل محمد كريم إلى القاهرة طالبًا الدعم السريع لحماية الإسكندرية من السقوط في أيدي الغزاة، واستقر الرأي أن يسير مراد بك مع جنود إلى الإسكندرية، بينما يبقى إبراهيم بك في القاهرة للزود عنها.

وصل الأسطول الفرنسي عند العجمي في أول يوليو 1798 م/ 1213 ه، وكانوا مزودين بمدافع وذخيرة ومعدات ليس لأهل الإسكندرية طاقة بها، وبدؤوا في إنزال الجنود ليلاً، وسيَّر جزءًا منهم إلى الإسكندرية البالغ عدد سكانها 8 آلاف نسمة وقتئذٍ. وقاوم محمد كريم مع قواته أشد ما تكون المقاومة، ودافعوا عن مدينتهم بالذخيرة والعتاد المتاح معهم، وحتى بعد أن سقطت الأسوار وانهارت أمام مدافع الغزاة، لم يستلم بل اعتصم مع جنده بقلعة قايتباي، وظل يقاتل إلى أن فرغت ذخيرته تمامًا، لذا تم أسره ومن معه، فدخل نابليون المدينة وأعلن الأمان فيها، ونظرًا لما وجده من محمد كريم من شجاعة وإقدام، فإنه قام بالإفراج عنه، وتظاهر بإكرامه، وأبقاه حاكمًا على الإسكندرية كما كان. وعندما همّ بالمغادرة عن الإسكندرية إلى القاهرة، قام بتعيين كليبر حاكمًا عسكريًا عليها.

ولم يستطع محمد كريم إلا أن ينحاز إلى شعبه وأن يكون مدافعًا عن مدينته ضد الأغراب، فأعلن المقاومة الشعبية في الإسكندرية، وسببت مقاومته الباسلة أرقًا شديدًا للفرنسيين، وقد ضاقوا به وبما يجدون منه، وظلوا يبحثون عنه إلا أن تم اعتقاله وتوجيه إلى القاهرة. وجهت له تهمة التحريض والمقاومة وخيانة الجمهورية الفرنسية، وأقد أوعز نابليون إلى المحقق بأن يعرض عليه دفع فدية ليتم الإفراج عنه، لكن رفض محمد كريم ذلك وقال في صلابة: “إذا كان مقدورًا عليَّ أن أموت فلن يعصمني من الموت أن أدفع الفدية، وإذا كان مقدورًا عليَّ أن أعيش فعلام أدفعها؟”، وفي السادس من سبتمبر 1798 م أصدر نابليون أمرًا بإعدامه رميًا بالرصاص. فتوجهوا به ظهرًا إلى ميدان القلعة وتم تنفيذ الإعدام، ثم قطعوا رأسه ووضعوه على عصا كبيرة “نبُّوت”، وطافوا به لتخويف الناس، واستطاع أتباعه في النهاية الحصول على رأسه ودفنه مع باقي جسده.