خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

محنة إبراهيم بن المهدي وشعره

ID 179379061 © Roomyana | Dreamstime.com

ولد إبراهيم بن المهدي في سنة 162 هـ، وتوفي في أول سنة 224 هـ، ، وهو أخو الخليفة هارون الرشيد والخليفة موسى الهادي، نشأ في بيت عز وجاه وسلطان، عطف به أبوه ليتربى في البداية فحسُن لسانه وعلت لغته، وقال الشعر الجيد، كانت له رأي ومشورة، ولكن آفته التي تعرض لها أن رأيه كان سديدًا لغيره فاسدًا لنفسه، ولما سُئل عن ذلك قال إنه يحكم لغيره بعير هوى وبتجرد، فتكون آراؤه حكيمة، أما لنفسه فإنه يتبع هواه فيخرج عن الصواب. وقد تعرض لمحنة كبيرة حينما قتل ابن أخيه محمد الأمين، فاجتمع عليه أهل بغداد بعد أن دعاهم لمبايعته للخلافة، مما أغضب منه ابن أخيه المأمون، وتوعده بالنكال، وشكل ذلك فيما بعد محنة كبيرة لإبراهيم بن المهدي ظلت تلاحقه طوال الوقت، وقد استعان فيها بمهارته الشعرية كي يخرج منها.

قال عنه الصولي: “وإبراهيم شاعر عالم بالغناء مقدم في الحذق، بايعه أهل بغداد بعد قتل محمد الأمين، فلما ظهر قواد المأمون استخفى فلم يزل كذلك مدة طويلة إلى أن قدم المأمون بغداد، ثم ظهر عليه فعفا عنه فعمل فيه أشعارا”. كانت مدة اختفاء إبراهيم بن المهدي طويلة بعد أن انتصر عليه المأمون واستطاع جمع الناس حوله لمبايعته بالخلافة بعد الصراع الكبير بينه وبين أخيه الأمين، وقد أودعه السجن.

وحين استتب الأمر بالمأمون في بغداد، أمر بإحضار إبراهيم بن المهدي من السجن، كما أمر بإحضار الناس على مراتبهم فحضروا، فجيء بإبراهيم في قيد فسلم، فقال له المأمون: “لا سلم الله عليك، ولا حفظ لك، فقال: على رسلك يا أمير المؤمنين، فلقد أصبحت ولي ثأري، والقدرة تذهب الحفيظة، ومن مُد له في الأمل هجمت به الأناة على التلف، وقد أصبح ذنبي فوق كل ذنب، وعفوك فوق كل عفو، فإن تعاقب فبحقك، وإن تغفر فبفضلك”.

فقال له المأمون: “إن هذين أشارا علي بقتلك وأومأ إلى أخيه المعتصم وإلى ابنه العباس فقال قد أشارا بما يشار بمثله في مثلي، وما غشاك في عظم الخلافة ولكن الله دعوك من العفو عادة، فأنت تجري عليها دافعا ما تخاف بما ترجو”. فلم يتحمل المأمون هذا الكلام الطيب وقال: “أطلقوا عمي، فقد عفوت عنه”. فقال له إبراهيم شعرًا، جاء منه:

وَعَفَوْتَ عَمَّنْ لَمْ يَكُنْ عَنْ مِثْلِه … عَفْوٌ وَلَمْ يَشْفَعْ إلَيْكَ بِشافِعِ

إلاَّ الْعُلُوَّ عَنِ الْعُقَوبَةِ بَعْدَما … ظَفِرَتْ يَداكَ بِمُسْتَكِينٍ خاضِعِ

فَرَحْمتَ أَطفالاً كأَفْراخِ الْقَطا … وَعَوِيلَ عانِسَةٍ كَقَوْسِ النَّازِعِ

قَسَماً وَما أُدْلِي إِلَيْكَ بِحُجَّةٍ … إلاَّ التَّضَرُّعَ مِنْ مِقُرٍ خاشِعِ

ما إنْ عَصَيْتُكَ وَاْلغُواةُ تُمدُّنِي … أَسْبابُها إلاَّ بنيَّةِ طائِعِ

كان إبراهيم بن المهدي مختفيًا عند بعض نسائه، تلك المدة، وقد وهبت له بعض زوجاته جارية تخدمه وتقوم على أمره، فارتفعت منزلتها في نفسه من شدة ولائها وحسن خدمتها إياه، حتى قال فيها يومًا:

يا غَزالاً لِي إِليْهِ … شافِعٌ مِنْ مُقْلَتَيْهِ

وَالَّذِي أَجْلَلْتُ خَدَّ … يْه فَقَبَّلْتُ يَدَيْهِ

بأَبي وَجْهَكَ ما … أَكْثَرَ حُسَّادِي عَلَيْهِ

أَنا ضَيْفٌ وَجَزاُء … الْضَّيْفِ إحْسانٌ إلَيْهِ

وذكر إبراهيم بن الحسن بن سهل سبب كثرة مديح إبراهيم بن المهدي للمأمون، وإلحاحه في ذلك فيقول: “لم يكن إبراهيم بن المهدي يصدق أن عفو المأمون عنه يدوم، ويرى أنه سيلحق به جملة، فكان “يتعهر ويتهتك” ويغنى لكل واحد، ولا يخلى المأمون في كل وقت من مدح”. أي يقول المدح كاذبًا لينجو من غضبة المأمون، بعد أن كاد يقتله على فعلته.

ومما رُوي عن هبة الله بن إبراهيم ابن المهدي أنه قال: “حين أخذ أبي إبراهيم كتب إلى المأمون رقعة فقرأها قبل أن يراه وهو أول شعر قرأه له:

أيا مُنْعِمًا لَمْ تَزَلْ مُفْضِلا … أَدامَ الضَّنَى سُخْطُكَ الدَّائُم

ظُلْمتُ فَانْ قُلْتَ لا بَلْ … ظَلَمْتَ فَإِّنِي أَنا الكْاذِبُ الآْثِمُ

وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ مِنْ زَلَّتي … فَإِّنَي مِنْ جُرْمِها واجِمُ

يُفَزُّ الْحَلِيمُ وَيَكْبو الْجَوا … دُ وَيَنْبُو لَدَي الضَّرْبَة الصَّارِمُ

فَها أَنا ذا اْلعاِئذُ الْمسِتجيرُ … فَاحْكُمْ بِما شِئْتَ يا حاكمُ

عَصَيْتُ وَتُبْتُ كما قَدْ … عَصَى وَتَابَ إلَى رَبِّه آدَمُ

وهكذا كان الشعر وسيلة جيدة في محنة إبراهيم بن المهدي، استطاع به أن يحصل على النجاة.