مدرسة الديوان الشعرية: السمات الفنية والأسس التي قامت عليها

فن 25 Shaban 1442 AH محمود أبوقُورة
مدرسة الديوان

دخلت مدرسة الديوان إلى الشعر العربي الحديث باعتبارها حركة تجريدية، حيث ظهرت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي، وبدايات القرن العشرين. فقد تأسست بِناءً على جهود كلٍّ من: عباس محمود العقاد، وعبد الرحمن شكري، وإبراهيم المازني. إذ تأثر ثلاثتهم بالمدرسة الرومانسية الإنجليزية. وصاحب ذلك اعتزاز وفخر شديد بالثقافة العربية. وقد تم إطلاق تلك التسمية على هذه المدرسة نسبة إلى كِتاب ألفه كلٌّ من: العقاد، والمازني، وحمل عنوان: “الديوان في الأدب والنقد”، حيث وضعا فيه مبادئ مدرستهم والأسس التي سيسيرون عليها في أشعارهم. وقد اتخذت مدرسة الديوان إجمالاً النهج الرومانسي في الكتابة الشعرية.

سمات مدرسة الديوان الشعرية:

برزت مجموعة من السمات والخصائص في مدرسة الديوان الشعرية من خلال كتاباتهم التنظيرية أو الأشعار التي أنتجوها، وتتخلص في: أولاً: الدعوة إلى إنتاج شعر تجريدي خاصةً في الموضوعات الشعرية. وثانيًا: الدعوة إلى أن يعبر الشاعر عن ذاته بعيدًا عن التقاليد الصلبة. وثالثًا: ضرورة الاستفادة من الآداب الغربية دون التخلي عن أصول الشعر العربي. ورابعًا: اتجاه الشعر نحو الإطار الوجداني والذاتي. وخامسًا: أن تكون هناك وحدة عضوية للقصيدة الشعرية. ومن المعلوم من خلال كتابات العقاد (خاصةً في كتابه: شعراء مصر وبيئاتهم في الجيل الماضي). أن مدرسة الديوان قد تأثرت بالثقافة العالمية عامة، وبالثقافة الإنجليزية خاصةً. وأن شعراء هذه المدرسة قد أفادوا من النقد الإنجليزي أكثر من الشعر الإنجليزي ذاته. وقد انفصل شُكري عن تلك الجماعة في نهاية الأمر. وقد انتقد أشعار المازني وقال إنه انتحل بعضًا منها من أشعار إنجليزية.

وجه الشبه بين مدرسة الديوان والشعراء الرومانسيين الإنجليز:

من يدقق النظر في مدرسة الديوان الشعرية وسماتها وآراء شعرائها، سيجد أنها تتشابه مع المنهج الرومانسي الإنجليزي، لقد تحدث عدد من النقاد الإنجليز (ويلز مثلاً) عن العملية الشعرية فقالوا إن الشعر يعد انسيابًا تلقائيًا للمشاعر القوية الهادرة. وهذا يؤكد على مبدأين أساسيين في المذهب الرومانسي الغربي، وهما: الأول: أن الشعر تعبير عما في النفس وبث تام للمشاعر. والثاني: أن هذا التعبير لا يأتي عن طريق التكلف بل عن طريق الطبع، فالشاعر يجب أن يكون مطبوعًا ويعبر عما يحس به في داخله. وهذا بالضبط ينطبق على مدرسة الديوان وآراء شعرائها، فشكري على سبيل المثال يقدم لنا رؤية قريبة من ذلك. حيث يرى أن عملية قول الشعر لا بد أن تُسبق بانفعال عصبي، ويصف الشعر بأنه تدفق الأساليب كالسيل. وكل ذلك يدل على اهتمام مذهبهم بفكرة الطبع في التعبير الشعري. وبذلك يلتقي الطرفان على فكرة أن العواطف هي المنفذ الوحيد الذي يأخذ الشاعر منه مادته، ويرى من خلالها عالمه الخارجي.

ولقد أزكت آراء العقاد من هذا الاتجاه أيضًا، حيث يرى أن الشعر لا بد أن ينقل لك صورة عن الأشياء التي لا تستطيع الوصول إليها، وأن يكشف لك ما وراء الأشياء، ويتغلغل إلى مكمنها، ليكشف لك الجوهر. كما يرى أن الشعر لا يمكن أن يكون شعرًا ما لم يعبر عن ذات الإنسان وأحاسيسه ومشكلاته ومشاعره، بحيث يعبر تعبيرًا صادقًا عن الذات الإنسانية، دون تكلف أو تصنع. ويقول العقاد: “إن الشاعر العظيم هو مَن تتجلى من شعره صورة كاملة للطبيعة، بجمالها وحبه لها، وعلانيتها وأسرارها”. كما يدعو العقاد إلى تطوير القافية في الشعر العربي أُسوةً بالشعر الغربي. ولكنه لا يطلب التغيير المفاجئ أو المعيب بل يدعو إلى ذلك بتأنٍ وروية.

إجمالاً فإن مدرسة الديوان الشعرية قد حققت نجاحها باعتبارها تيارًا أدبيًا قام في لحظة تاريخية مهمة. وغيّرت في القالب الشعري السائد في زمانها، فدعت إلى شعر الطبيعة، وإلى التفتيش في الذات والتعبير عنها بشكل جديد.

 الكاتب: محمود حنفي أبوقُورة

باحث أكاديمي