خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

مرض جلد الذات وعلاجه

Homme avec depression assis avec la tête en mains avec un pistolet face à sa tête
© Piyamas Dulmunsumphun | Dreamstime.com

من الأمور المتناقضة التي يمكن رصدها هذه الأيام، انتشار ما يسميه علماء النفس بمرض جلد الذات، لكن في الوقت ذاته انتشر مرض أشد فتكًا، ألا وهو: التساهل مع الذات وترك الأمور تسير وفق الهوى الخاص دون حسيب أو رقيب، ولم تعد هناك منطقة وسطى بينهما، فإما أن يكون الإنسان قاسيًا عنيدًا من نفسه يجعلها تصل إلى مرحلة الإحباط واليأس من كل شيء، وترى الحياة عذابًا مستمرًا وأنها لن تنجح في العبور منها، وإما أن يفرط الإنسان ويترك لنفسه ما تشتهي ويغدق عليها بالملذات والشهوات، ولا يراقبها أو يحاسبها بعقل وتدبر وحكمة، بل يترك نفسه تسير بغير هدى فتصل إلى مرحلة من البلادة وفقدان الشعور، مما ينتج عنه موت القلب، فلا يعد عنده وازع من ضمير، ولا مراقبة للعلى القدير، فيسقط في مستنقع سحيق.

ويشتمل مرض جلد الذات على معنيين، الأول وهو مادي في أساسه، ويقصد به: إلحاق الإنسان الضرر البالغ بنفسه وجسده بشكل متعمد، ومن خلال إرادة واعية، بهدف تحقيق اللذة أو المتعة من تلك الأفعال. والثاني وهو معنى نفسي ومعنوي، ويكون من خلال لوم الإنسان نفسه وتقريعها وحرمانها من كل المتع المشروعة نظرًا لارتكاب بعض السلوكيات الخاطئة. والإنسان المصاب بهذا المرض يضخم من أخطائه ويتلذذ بذلك الأمر ويعتبره متعته الأساسية التي لا غنى عنها، وهنا تكمن المشكلة.

ومن أسباب انتشار مرض جلد الذات، محاولة الهروب من الفشل، فهو مجال يخرج فيه الإنسان ما يدعي أنه سبب فشله. وأيضًا شدة الجهل وعدم معرفة سنن الله في خلقه وتصريف أمور العباد، وما يحدث وما هو حادث وما سيحدث، فلم علم ذلك لأراح واستراح. وأيضًا الميل الشديد إلى التعصب والتشدد ومنع كل أنواع المباحات وما يجهل النفس تسلو قليلاً.

وهناك مجموعة من المشاكل المترتبة على هذا المرض، ألا وهي: العزلة الاجتماعية، فلا يوجد تواصل اجتماعي مع البيئة المحيطة. مع عدم القدرة على الإبداع، وعدم القدرة على مواجهة الأزمات الحياتية، والإصابة بالضعف الشديد وعدم القدرة على فعل أبسط الأمور. مع انعدام الشعور بالأمل أو الخير وبكل ما يسعد الإنسان، مع فقدان الثقة في المستقبل، إضافة إلى مشاعر القلق والاكتئاب، والأرق وعدم التركيز، وكثرة الكوابيس المفزعة.

ولذا يجب علاج ذلك المرض العضال الذي يفتك بالشباب، وهناك عدة خطوات يجب اتباعها للتخلص منه، فأولاً: يجب الاستعانة بالله تعالى وعدم ترك النفس لوسوسة الشيطان الذي يريد تدمير الإنسان فيوصله إلى الانتحار والكفر في نهاية المطاف. وثانيًا: يجب المقاومة وعدم العجر ومجاهدة النفس التي تسول للإنسان كل شر. وثالثًا: يجب أن يحاسب الإنسان نفسه لا أن يجلد ذاته، فالمحاسبة أمر محمود ولا تكون جلدًا غاشمًا يلحق الضرر. ورابعًا: يجب معرفة أن جلد الذات من الأمور المحرمة التي نهانا الله عنها لأنها في النهاية تودي بالإنسان وتصيبه بالضرر ويمكن أن تؤدي إلى الانتحار، قال الله تعالى: “وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا” (سورة النساء: 29). وقد جاء في الحديث الشريف أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “مَن تردَّى من جبلٍ، فقتَل نفسه، فهو في نار جهنم يتردَّى فيه خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومَن تحسَّى سُمًّا، فقتَل نفسه، فسُمُّه في يده يتحسَّاه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومَن قتَل نفسه بحديدة، فحديدتُه في يده يَجَأُ بها في بطنه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا” (رواه البخاري ومسلم).

كما يجب على مَن يقوم بجلد ذاته أن يصبر ويحتسب، وأن يهدئ من ثائرته فلا شيء يمكن أن يفيده أو يضره إلا بأمر الله، والحياة لن تتوقف على أحد، وأنه وجد في الحياة ليعمر الأرض لا ليضر نفسه ويؤذيها. وعليه أيضًا الاقتصاد في أمر دون تفريط أو إفراط، وأن يعتدل في كل شيء فخير الأمور الوسط، وأن يتدرّج في أمره، فلا يتعجل الوصول إلى شيء، ولا يظل صامتًا لا يفعل شيئًا، ويأخذ بالمتاح أمامه وينتقل إلى الصعب فالأصعب، وهكذا يصبح مدربًا على التحميل ويشعر بلذة العمل لا لذة التعذيب والألم والجلد.