خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

مضحك الخليفة في العصر العباسي

قلعة من العصر العباسي
ID 94327775 © Sergey Mayorov | Dreamstime.com

يعد مضحك الخليفة شخصية بهلوانية تقوم باصطناع الأفعال العجيبة والمواقف المبتكرة، وذلك من خلال إضافة مزحة أو خفة دم أو نوع من الفكاهة والتسلية. وعامةً فإن المضحك هو الشخص الذي يقوم بإضحاك الناس وتسليتهم وإمتاعهم بأقواله وأفعاله، وباستخدام تكوينه الجسماني، ولا سيما ملامح وجهه، ولهذه الشخصية مختلفة، مثل مضحك الخليفة، ومضحك العامة، ومن المضحكين المتحامقين والحمقى، وكلّ منهم له وسيلته في الإضحاك.

ولعل العرب قد عرفوا أعدادًا قليلة من شخصية المضحك في العصر الجاهلي وعصر صدر الإسلام، ولكنهم عرفوا شخصية المضحك المختلفة ابتداء من العصر الأموي، وكان حضورها الحقيقي في العصر العباسي، وذلك لتأثرهم بالأمم الأجنبية ولا سيما الفرس الذين عرفوا هذه الشخصية. ويتصف المضحكون عامةً بالظرف والقدرة العالية على الإضحاك والتمكن من التمثيل وتقديم التعليق الساخر في حينه، ومع ذلك فلم تكن لديهم الجرأة الشديدة كأبي دلامة وأبي العيناء، ومنهم من استخدم المداراة، ومنهم من كان يفضل عدم التصريح بآراء يمكن أن تسبب له بعض المتاعب.

ولكل مضحك وسيلته في الإضحاك، فمنهم مَنْ كان يستخدم التشوه الذي فيه أو التشوه الخِلقي الذي به، وسيلة للإضحاك كأبي دلامة، ومنهم مَن كان يحب أن يكون موقرًا لا يناله أحد بالذم في عيبه أو عاهته كأبي العيناء، وهكذا كان لبعض المضحكين صفات في الإضحاك ووسائل تفردوا بها عن غيرهم من المضحكين.

لقد أصبحت شخصية مضحك الخليفة في العصر العباسي من ضمن المراسيم التي اتخذوها عن الفرس في دولتهم الساسانية البائدة، وكان الأكاسرة يتخذون ضمن ندمائهم الملهين والمضحكين، وكانوا يصحبونهم خلال سفرهم وترحالهم. وكان المضحكون والملهون ضمن إحدى الطبقات التي نظمها أردشير بن بابك ومن جاء بعده من أكاسرة الفرس في بطانتهم. وكان أردشير أول من رتب الندماء وأخذ بزمام سياستهم، فجعلهم ثلاث طبقات، فكانت الأساورة وأبناء الملوك في الطبقة الأولى، وبطانة الملك وندماؤه ومحدثوه من أهل الشرف والعلم من الطبقة الثانية، والمضحكون وأهل الهزل والبطالة من الطبقة الثالثة.

وعندما غلب العنصر الفارسي في الدولة العباسية، أصبح المضحك ضمن مراسيم بلاط الحكم، حيث يقوم بإضحاك الخليفة في قصره، ويضحك أسرته وكبار رجال البيت العباسي أيضًا، ويعد أبو دُلامة أول من قام بدور المضحك في بلاط العباسيين. وقد كثُر المضحكون في العصر العباسي، خاصة مع خلافة الرشيد ومن جاء بعده من الخلفاء الذين فتحوا باب اللهو في قصور الخلافة، وخاصة المتوكل الذي قرّب المضحكين والملهين في مجلسه.

وأصبحت شخصية المضحك متنوعة في هذا العصر، فهناك مضحك الخليفة وعلية القوم، وهناك مضحك العامة، وهناك طوائف أخرى من المضحكين كالحمقى، وكان المرتمى مضحكًا لـهارون الرشيد، وكان أبو نواس في صحبةالأمينالذي كان مغرمًا باللهو والعبث، أما المأمون فقد كان محبًّا للجدال العلمي والفكري، فكثر في مجالسه العلماء وأصحاب الفكر والجدل من  المتكلمين والمعتزلة، ولم يكن له مضحك بعينه يمكن أن يذكر.

وأما المعتصم فكان له مضحك مختص به يلقب بالهفتي، وحين مجيء المتوكل للخلافة أصبح قصره مركزًا يتجمع فيه المضحكون والملهون وأصحاب كل صناعة اللهو كالجمّاز، ومن غرائب المتوكل أن كان له مضحكان، اسم أحدهما شعرة واسم الآخر بعرة. وكان أبو العيناء من أكثر المضحكين البارزين الذين ظهروا في بلاط المتوكل، فقد كان يمتع من حوله بفكاهاته التي يكون مبعثها الأساسي تعليقاته الساخرة المضحكة، والتي تتميز أيضًا بالجرأة في نقد رجال الدولة وأصحابه المقربين منه، وتسببت له في كثرة خصومه.

وشخصية المضحك في العصر العباسي كانت مؤثرة، فهي من ضمن مراسيم البلاط والحكم، ولا شك أن ذلك أعطى لهؤلاء المضحكين مكانة تفوق غيرهم من طبقات المجتمع، وإن ظل المضحك أداة للتسلية على الدوام.