خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

معركة كلامية في مجلس الخليفة

ID 143667695 © Tetyana Babiy | Dreamstime.com

ليست المعارك الكلامية بأقل من المعارك الحربية، لأنها كانت ترفع أقوامًا وتخفض آخرين، وعادة ما كان الخلفاء يحبذون تلك المعارك إذا كانت في صالحهم، وقد يستخدمها البعض للتسلية ومعرفة معادن الرجال، وكان العرب معروفين بقوة حجتهم وصدق دليلهم، ولما كانت الدولة العباسية خليطًا من الأجناس فإن مثل تلك المعارك كانت تدور في مجلس الخلافة، ونتوقف هنا أمام معركة كلامية دارت رحاها في مجلس الخليفة أبي العباس السفاح بين المُضرية واليمانية من أجل التفاخر بينهما.

حدثت ذات ليلة مسامرة كلامية بين إبراهيم بن مخرمة الكندي وأناس من بني الحارث بن كعب وهم أخوال الخليفة، وبين خالد بن صفوان بن إبراهيم التميمي. فخاضوا في الحديث وذكروا مضر واليمن. فقال إبراهيم متفاخرًا: “يا أمير المؤمنين، إن اليمن هم العرب الذين دانت لهم الدنيا وكانت لهم القِرى ولم يزالوا ملوكًا أربابًا وورثوا ذلك كابرًا عن كابر أولاً عن آخر منهم النعمانيات والمنذريات والقابوسيات والتبابعة “يقصد ملوكها عبر العصور الماضية”، ومنهم من مدحته الزبر، ومنهم غسيل الملائكة، ومنهم من اهتز لموته العرش، ومنهم من كلمه الذئب، ومنهم الذي كان يأخذ كل سفينة غصبًا. وليس شيء له خطر إلا وإليهم ينسب من فرس رائع أو سيف قاطع أو درع حصينة أو حلة مصونة أو درة مكنونة، إن سئلوا أعطوا وإن سيموا أبوا، وإن نزل بهم ضيف قروا لا يبلغهم مكابر، ولا ينالهم مفاخر، هم العرب العرباء، وغيرهم المتعربة”.

فقال أبو العباس السفاح: ما أظن التميمي يرضى بقولك. ثم قال: “ما تقول يا خالد؟ فقال خالد: إن أذنت في الكلام تكلمت. قال: أذنت لك في الكلام فتكلم ولا تهب أحدًا. فقال: أخطأ يا أمير المؤمنين المقتحم بغير علم والناطق بغير صواب، يفخرون علينا بالنعمانيات والمنذريات وغير ذلك مما سنأتي عليه، ونفخر عليهم بخير الأنام وأكرم الكرام سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، ولله المنة علينا وعليهم لقد كانوا أتباعه فبه غزوا وله أكرموا، فمنا النبي صلى الله عليه وسلم ومنا الخليفة المرتضى، ولنا البيت المعمور والمسعى وزمزم والمقام والمنبر والركن والحطيم والمشاعر والحجابة والبطحاء مع ما لا يخفى من المآثر ولا يدرك من المفاخر. فليس يعدل بنا عادل ولا يبلغ فضلنا قول قائل ومنا الصديق والفاروق والوصي وأسد الله وسيد الشهداء ذو الجناحين وسيف الله، عرفوا الله وأتاهم اليقين. ثم التفت إلى إبراهيم فقال: أعالم أنت بلغة قومك؟ قال: نعم. قال: فما اسم العين؟ قال: الجمجمة. قال: فما اسم السن؟ قال: الميذن. قال: فما اسم الأذن؟ قال: الصنارة. قال: فما اسم الأصابع؟ قال: الشناتر. قال: فما اسم اللحية؟ قال: الذئب. قال: فما اسم الذئب؟ قال: الكنع.

وعند هذا الحد يكون خالد بن صفوان قد أوقعه في المحظور، وأخذ يسأله: “أفمؤمن أنت بكتاب الله؟ قال: نعم. قال: فإن الله تعالى يقول: “إنا أنزلناه قرآنًا عربيًا لعلكم تعقلون”، وقال تعالى: “بلسانٍ عربي مبين”، وقال: “وما أرسلنا من رسولٍ إلا بلسان قومهِ”. فنحن العرب والقرآن بلساننا نزل، ألم تر أن الله تعالى قال: العين بالعين، ولم يقل: الجمجمة بالجمجمة؛ وقال: السن بالسن، ولم يقل الميذن بالميذن؛ وقال: الأذن بالأذن، ولم يقل الصنارة بالصنارة، وقال: “يجعلون أصابعهم في آذانهم”، ولم يقل شناترهم. وقال: لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي، ولم يقل بذنبي. وقال تعالى: فأكله الذئب، ولم يقل فأكله الكنع.

ثم قال خالد خاتمًا أسئلته: “أسألك عن أربع إن أقررت بهن قُهرت، أي هُزمت، وإن جحدتهن كفرت. قال: وما هن؟ قال: الرسول منا أو منكم؟ قال: منكم. قال: فالقرآن نزل علينا أو عليكم؟ قال: عليكم. قال: فالبيت الحرام لنا أو لكم؟ قال: لكم. قال: فالخلافة فينا أو فيكم؟ قال: فيكم. قال خالد: فما كان بعد هذه الأربع فهو لكم”.

وقد جمعت تلك الأربع جميع الشيم والخصائص الحميدة، لذا لم يبق شيء بعدها يكون ذا بال، ومن هنا علم الجمع بتفوق خالد بن صفوان على إبراهيم بن مخرمة الكندي، في تلك المعركة الكلامية والمسامرة الشائقة.