خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

مفاتيح خزائن الأرض

ID 83441104 © Raimus | Dreamstime.com

من خصائص النبوة أن الله تعالى أعطى لرسوله مفاتيح خزائن الأرض، وتعد تلك الخاصية من الأمور التي خص الله بها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فقد ورد في الحديث الشريف الذي يرويه أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “فبينا أنا نائم أتيت بمفاتيح خزائن الأرض فوضعت في يدي”. (متفق عليه)، وقد أخرج البخاري ومسلم عن عقبة بن عامر رضي الله عنه: “أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يومًا فصلى على أهل أحد صلاته على الميت، ثم انصرف إلى المنبر فقال: “إني فرط لكم، وأنا شهيد عليكم، وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن، وإني أعطيت مفاتيح خزائن الأرض، أو مفاتيح الأرض، وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي، ولكن أخاف عليكم أن تنافسوا فيها”. (متفق عليه)، والمقصود هنا بالفرط: الشخص الذي يتقدم الواردين على الماء ليصلح الحياض والدلاء.

والحديث السابق يدلنا على عدة أمور مهمة ينبغي أن نتوقف أمامها، أولاً: أن النبي صلى الله عليه وسلم قد شبّه نفسه فيما يقوم به من أمته، بالرجل الذي يتقدم الناس الذاهبين إلى نبع الماء، فيصلح لهم الأمر قبل أن يبدؤوا في استخلاص الماء من باطن الأرض وتعميمه إلى الأرض أو اتخاذه شرابًا لهم، بما يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي يدل الناس على أنفع شيء يصلوا به إلى ما يفيدهم ويكثر فيهم الخير ويهديهم إلى أحسن الطرق وأفضلها. وثانيًا: ثم إنه يوضح تلك البركة في نظره صلى الله عليه وسلم إلى حوضه الشريف ومدى إقبال أمته عليه. وثالثًا: يبشر أمته بأنه صلى الله عليه وسلم قد أعطي مفاتيح خزائن الأرض، أي أن الدنيا ستفتح على المسلمين، وستكون لهم الخيرات ما شاء الله أن تكون، وستكون لهم من الأموال والأمور التي تعد مفاتيح الأرض ما شاء الله، لأن النبي صلى الله عليه وسلم إذا أعطي شيئًا، إنما قد أخذت أمته عنه. ورابعًا: أنه صلى الله عليه وسلم يحذرنا من أمر غاية في الخطورة، ألا وهو التنافس في مفاتيح الأرض، أي في الخيرات والكنوز والثروات، وهذا هو الحادث بين المسلمين مذ فتحت الأرض على المسلمين وحتى اليوم.

وفي موضع آخر يؤكد النبي صلى الله عليه وسلم على تلك الخاصية الفريدة، فعن علي رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “أعطيت أربعًا لم يعطهن أحد من أنبياء الله؛ أعطيت مفاتيح الأرض…”. (الإمام أحمد، المسند 1 /158، وفتح الباري 1 /439)، وهذا الحديث وغيره من الأحاديث يثبت تلك الخاصية البديعة للنبي صلى الله عليه وسلم، ومدى تحققها له، وهذا فضل من الله لنبيه ولأمته. ولعل ذلك ما ظهر بعد ذلك من فتوحات وتوسعات كانت بمنزلة الكنوز التي يحصل عليها المسلمون يومًا وراء آخر، سواء في بلاد فارس، أو على أطراف الجزيرة العربية ومنازلة الروم وهزيمتهم، والتوسع في الشام والعراق ومصر، لقد كان عمر بن العاص يقول: إن ملك مصر يعدل الخلافة. أي إن ما تمتلكه مصر من مقدرات وخيرات زمن الخليفة معاوية بن أبس سفيان، يساوي ما بين يدي الخليفة في الأقطار قاطبة.

وقد فسر العلماء معنى: “مفاتيح خزائن الأرض”، بأن المراد منها ما يفتح لأمته من بعده من الفتوح، وقيل: المعادن، أي الكنوز والذهب. (انظر فتح الباري، 6 /128). وقال النووي أيضًا: “ما يفتح على المسلمين من الدنيا، وهو يشمل الغنائم والكنوز”. (فتح الباري 13 /248)، لقد بشر النبي أمته بتلك البشرى التي تحققت فيما بعد، وخاصة ابتداءً من عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه، إذ بدأت تتسع أركان الدولة الإسلامية، وحقق المسلمون النصر على الفرس، وحازوا أسورة كسرى وملكه وخزائنه، وقد تبع ذلك في عهد الخلفاء التاليين توسعات أخرى.