خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

مفهوم الأدب المقارن

قد يتساءل البعض عن مفهوم مصطلح الأدب المقارن، ماذا نعني به؟ وما حدوده؟ وما آلية عمله؟ وتلك أسئلة مهمة وتحتاج إلى إجابات شافية، وعامة فإن مصطلح الأدب المقارن من المصطلحات الحديثة التي لم تظهر إلا في القرن العشرين، بعكس مصطلح النقد الذي يعد موروثًا وله أسس قديمة في تراثنا البلاغي والأدب، وله أصل في معاجمنا اللغوية القديمة والحديثة.

إذن، ما الأدب المقارن، وما مجالات بحوثه وميادينه؟ ويمكن أن نضع أيدينا على تعريف للأدب المقارن بأنه: “دراسة الأدب القوميّ في علاقاته التاريخية بغيره من الآداب الخارجية عن نطاق اللغة القومية التي كُتب بها“. واعتمادًا على هذا التعريف فإنّ محور البحوث المقارنة ينبغي أن يكون: “الأدب القوميّ في صلته بالآداب العالمية، وامتداده بالتأثير فيها وإغنائها أو التأثر بها والغنى بسببها“. وهذا يعني أنّ الأدب المقارن ينطلق من الأدب القوميّ إلىالآداب العالمية، ليعود في نهاية جولة المقارنة إلى نقطة الانطلاق، أيّ إلى الأدب القوميّ، من أجل أن يجلو نواحي الأصالة فيه.

ولا بد في هذا السياق أن نفرق بين مصطلحالآداب العالمية، ويعني جملة الآداب القومية للشعوب والمجتمعات. وبين مصطلحالآداب الأجنبية، ويقصد به الآداب المغايرة للأدب الوطني والمكتوبة بلغة آخر غير العربية. وإذا أردنا أن نضع تعريفًا آخر أكثر تبسيطًا للأدب المقارن فيمكننا أن نقول: إنه العلم الذي يدرس تأثر الأدب القوميّ بالآداب الأجنبية وتأثيره فيها.

وضمن حدود هذا المفهوم يمكن دراسة ما يدخل في ميدان الأدب المقارن وما لا يدخل فيه، ومعرفة الأمور التي تمثل نوعًا من التماس مع الآداب الأخرى، بحيث كانت مؤثرة في الأدب الوطني، وكذلك فهم مواطن التلاقي بين الآداب في لغاتها المختلفة، وصلاتها الكثيرة المعقّدة، في حاضرها أو في ماضيها، وما لهذه الصلات التاريخية من تأثير أو تأثر، أيًّا كانت مظاهر التأثير والتأثر“. وبعبارة أخرى فإنّ ميدان الأدب المقارن، هو: “الصلات الدولية بين مختلف الآداب، فنيّة كانت هذه الصلات، كانتقال الأجناس الأدبية والظواهر الفنية، أم تشتمل على المضمون، كانتقال الموضوعات الأدبية والتيارات الفكرية.

ويجب أن نفرق هنا بين المقارنة والموازنة، فالمقارنة تكون بين الآداب المختلفة، أم الموازنة فتكون بين الآداب الوطنية التي تجري في نطاق اللغة الواحدة. فالأدب المقارن يهتم: “بشرح الحقائق عن طريق تاريخيّ، وكيفية انتقالها من لغة إلى أخرى، وصلة توالدها بعضها من بعض، والصفات العامّة التي احتفظت بها حين انتقلت من أدب إلى آخر، ثم الألوان الخاصة التي فقدتها أو اكتسبتها بذلك الانتقال“. وما دام الأدب المقارن: “لا يقتصر على عرض الحقائق بل يشرحها شرحًا تاريخيًّا مدعمًا بالبراهين والنصوص من الآداب التي يدرسها، فمن الطبيعيّ أن يستبعد من ميدانه كلّ المقارنات التي يمكن أن تجري بين ظواهر لم تقم بينها صلة تاريخية، وذلك لأنّ موازنات كهذه: “لا تشرح شيئًا أو تبقى غامضة لا يوضحها تاريخ“.

فدراسة ظهور جنس أو تيار أو أسلوب أدبي ما في آداب قومية متعددة، والكشف عن أوجه التشابه والاختلاف بين تلك الآداب فيما يتعلق بالظاهرة الأدبية المقارنة، مسألة مثيرة وذات قيمة معرفية كبيرة في الحالين: في حال توافر علاقة أدبية، وفي حال عدم توافرها. والأدب المقارن مطالب في كلّ الأحوال بتقديم تفسيرات مقنعة لما يثبته من أوجه تشابه واختلاف. ونلاحظ أنّ فهم الأدب المقارن على هذا الشكل هو فهم أكثر انسجامًا مع التسمية المصطلحية نفسها، أيّالأدب المقارن“. فالمفهوم نفسه لا يحصر المقارنات في الظواهر الأدبية التي تقوم بينها صلات تأثير وتأثر، بل يترك باب المقارنة مفتوحًا أمام كلّ الموازنات التي يمكن أن تجري بين ظواهر أدبية تنتمي لأكثر من أدب قومي، شريطة أن تكون هذه الموازنات مجدية وغير اعتباطية.

إن مفهوم الأدب المقارن من المفاهيم العميقة التي تحتاج إلى توخي الحذر في استعمالها، كما أن مفهومه متعدد الدلالات ويحتاج إلى دقة في الاستخدام أو التوجيه.