مفهوم الإجماع ومدى مكانته وحجيته

الإسلام للمبتدئين Contributor
مفهوم الإجماع
© Faizan Khan | Dreamstime.com

ربما يخفى مفهوم الإجماع الفقهي على البعض، في هذا المقال نحاول استقصاء الأمر. إذ يعد الإجماع أحد الأدلة الشرعية، وهو مصدر من مصادر التشريع وتأتي منزلته مباشرة بعد القرآن الكريم والسنة النبوية. وهو أحد المصادر التي اتفق عليها الأصوليون والفقهاء بلا خلاف، وهذا يعني أن له مكانة كبيرة كما أنه من الحجج الأساسية لثبوت الأحكام الشرعية.

ما هو مفهوم الإجماع؟

في مفهوم الإجماع وردت عدة تعريفات. من أبرزها أنه “اتفاق المجتهدين من الأمة الإسلامية بعد وفاة الرسول الكريم –صلى الله عليه وسلم- على أمر من الأمور”. ومعنى هذا أن الإجماع لا بد من توفر عدة شروط فيه أبرزها:

أن يقع الاتفاق من المجتهدين، وأن يقع بعد وفاة النبي، وأن تكون المسألة من المسائل التي لم يرد فيها نص شرعي من الكتاب والسنة. لأنه لو كان الأمر كذلك فلا يقبل اجتهد أحد من الناس، إذ إن من القواعد الأساسية في علم الأصول أنه لا اجتهاد مع النص.

حجية الإجماع ومكانته

اتفق سلف الأمة وخلفها على أن الإجماع حجة في إثبات الأحكام الشرعية. وأن المسلمين إذا اجتمعوا على أمر من الأمور فهو بمثابة الحكم الشرعي وقد دل على ذلك الكتاب والسنة.

فمن أدلة الكتاب التي جاءت تؤكد أن الإجماع من مصادر التشريع ومن الحجج الشرعية قوله تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً}(النساء:15).

فقد دلت هذه الآية أن مخالفة سبيل المؤمنين وطريقهم من الأمور التي قد تتسبب لصاحبها في الهلاك. ويفهم منها ضمنًا أن ما اتفق عليه جمهور المسلمين يعد حقًا وصوابًا.

ومن آثار السنة التي دلت على حجية الإجماع. ما جاء في كتاب عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- إلى شريح -رحمه الله- حيث قال له: “اقضِ بما في كتاب الله، فإن لم تجد فبما في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن لم تجد فبما قضى به الصالحون قبلك، وفي رواية: فبما أجمع عليه الناس” (أخرجه البيهقي والنسائي).

ومن الأحاديث التي تعد حجة في باب الإجماع. ما روي عَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

“إِنَّ اللَّهَ لَا يَجْمَعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ، وَيَدُ اللَّهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ” (أخرجه الترمذي، والحديث حسن).

ومعنى هذا الحديث أن الله سبحانه وتعالى قد عصم الأمة الإسلامية من الاجتماع على ضلالة. ويقصد بالأمة هنا العلماء وهم أهل الفقه والعلم والحديث، ويفهم من هذا أن علماء الأمة الأثبات لا يجتمعون على باطل بحال من الأحوال.

أحد مصادر التشريع

وقد دلت هذه النصوص على حجية الإجماع ومكانته، وقد نقل العلماء الإجماع على حجية الإجماع. ولعل هذا من الأمور التي تؤكد أن الإجماع واقع لا محالة وأنه أحد مصادر التشريع، ومن أنكره فقد أنكر كثيرًا من الأحكام الشرعية. إذ إن منزلته تأتي مباشرة بعد القرآن الكريم والسنة النبوية. وعندما يتحدث الأصوليون عنه فإنهم يجعلونه في المرتبة الثالثة بعد الوحيين.

وقد عرف المسلمون الإجماع بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم. ولعل أول إجماع قد وقع عندما أجمع الصحابة على وجوب تنصيب خليفة للرسول الكريم. ذلك أنهم قد اجتمعوا في سقيفة بني ساعة وأجمعوا على تولية أبي بكر الصديق خليفة للنبي. فكان هذا أول إجماع في تاريخ الأمة الإسلامية، وهذا يؤكد أن الإجماع كمصدر من مصادر التشريع لا يكون حجة مستقلة في حياة النبي لأن الوحي قد نزل ببيان الأحكام الشرعية.

ومن حالات الإجماع التي شهدها المسلمون بعد وفاة النبي كذلك إجماعهم على قتال مانعي الزكاة المرتدين. وكذلك قتال المتنبئين، وقد وقع الإجماع من الصحابة على ذلك، بعد أن اقتنع عمر بن الخطاب برأي أبي بكر الصديق فيهم.

وخلاصة القول أن الإجماع مصدر من مصادر التشريع لا يجوز إنكاره، أو العدول عنه. وهو باق ما بقيت أحكام الشريعة الإسلامية ويأتي في المرتبة بعد القرآن الكريم والسنة النبوية.

المراجع

  • الإحكام: الآمدي.
  • مراتب الإجماع: ابن حزم.

بقلم/ عبدالله توبة أحمد

باحث في الدراسات الإسلامية

Enjoy Ali Huda! Exclusive for your kids.